الارشيف / المزيد

مدن الخلاص

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مدن الخلاص, اليوم الأربعاء 23 أكتوبر 2019 01:04 صباحاً

المصدر:

التاريخ: 23 أكتوبر 2019

منذ بدايات الخليقة والإنسان يبحث عن تهدئة روحه من عذابات يلقاها في حياته كل حين، ومن تراكمات لا تزيحها سوى مدينة يقصدها للولوج إليها حجاً، بنية الكف عن السوء، وطلباً للصفاء، وزينة كينونته ووجدانه، وغاية قصوى لطهارة روحه، والأهم زوال هاجس الذنب الملتبس به.. ومن هنا أخذتُ أبحث عن مدن الخلاص تلك، أو كما يكتبها المؤرخون بمدن الرحمة أو المدن المقدسة أو مدن الروح، فما الذي يميزها عن غيرها؟ وما الذي جعلها ملاذاً ونجاةً؟ لأجد الكثير منها بين مدن للحج ومدن للزيارة ما زالت حية مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس وبيت لحم وكربلاء والفاتيكان وفاراناسي والله آباد الهندية وغيرها من مدن نسيها الناس لتأخذ دوراً آخر مع الزمن من اقتصادية وتاريخية أو ذاكرة، مثل دلمون المقدسة وروما والقسطنطينية وكيوتو اليابانية وأور وبعلبك.. ولطالما راودني شعور عما يربط بين كل تلك المدن الخالدة، فكانت بكل وضوح المسيرة والماء الحلو، من نهر كما هي مدينة الحج في الهند «فارانسوي» المطلة بمعمارها المهيب على نهر «الجانج» العذب، أو على نبع حلو وسط بحر كما كانت دلمون، أو بئر ماء مثل (زمزم) في مكة، أو كبحيرة متفرعة وصالحة للملاحة كما في مدينة كيوتو.

إذن هذا الماء بحضوره البريء ومحتواه النقي، هو عماد الحياة في مسيرة الأرض، وأساس المحبة، ولعل ذلك سبب أنه بلا رائحة ولا لون ولا طعم، لحكمة تصب تماماً في الرحمة والطهارة، لخلوه من العيوب، وهو ينازل الموت في ساحة السقي من أجلنا، وفي تلك المدن الروحية المرتبطة بأرواح المعذبين والحزانى والمبتغين وهم يشربون من نزاهته ومعافاته وسلامته المتعلقة بقصص مؤثرة وملاحم ودروس من أنبياء وأنقياء ورسل وكرام، ليعيش الراغب بالخلاص على ذاكرة مدن الخلاص وهو في مسيرته مردداً مفردات وعبارات في خيارات ذات قيمة، ويكررها حتى الوصول إلى هدفه المنشود، والنتيجة نسيان تعبه بعد الوصول، كاستعارة في ألا يظل الهدف مقصوراً بأفق المادة، بل بالإرادة، فما الحياة سوى ماء ومسيرة وصبر ومحبة، وذلك منذ رحلات الحج الأولى في التاريخ، لتدوم مسافات الحياة والمسيرة لاكتشاف غموض الدنيا ومعضلاتها بعد هدف ومشاعر وتركيز.

هذه المقاربة استعارة تجسد الحالة الإنسانية التي تتجاوز الأديان والأيديولوجيات، إلا أن الحج بقداسته المقنعة أصبح يقدم نفسه ظاهرة روحانية عالمية، وهو أمر لا ينكره الإنسان، أنها من طبيعته بعد مسيرة وشرب، وكيف أصبحت تجربة الإيمان وعبر آلاف السنين تحافظ على الذاكرة وتجعلها على قيد الحياة من خلال مدن الخلاص.

طباعة Email فيسبوك تويتر لينكدين Pin Interest Whats App

المصدر
البيان

قد تقرأ أيضا