من أجل ستائر شفافة

عادل سعد

قد يكون آخرها مسكا، أو عطرا من العطور الرخيصة المصنعة على قارعات الطرق، أو فكاكا جذريا من شدة المحنة التي ضربت العالم، بعد أن يكون العقل البشري قد أوجد لقاحا أو دواءً شافيا من وباء كورونا، ولكن أن يخلف الوباء واقعا جديدا يتمثل بأكثر من ستين مليون جائع إضافي في قارة إفريقيا وحدها، وملايين آخرين مشردين في عموم العالم، وأن يتعرض ملايين الأطفال إلى سوء تغذية نتيجة شحة في المواد الغذائية اللازمة، وأن تتصدر البطالة الأولويات، وأن تطول قائمة الشركات التي تعلن إفلاسها، أو هي في طريقها إلى هذا المصير، فإن هذه الحالة العالمية المستجدة تقتضي في أسبق ما تقتضي رسم سياسات استنهاضية تعيد تشكيل العالم وفق معايير جديدة تقوم على تدوير الإمكانات المتوافرة في إطار من المسؤوليات التضامنية الخالصة بعيدا عن أي استقطاب بخصوصية ضيقة.
وفق اعتقادي المتواضع هناك ثلاث أسبقيات، الأولى، إجراء تعديلات على مفهومنا للرخاء، إذ لا يعد مقبولا بعد الآن أن يهيمن الحس الاستهلاكي المفتوح على الناس بكل ما يسبب ويخلف من متوالية عدم الإشباع رغم الوفرة الفائضة عن الحاجة التي يذهب بعضها إلى مكبات النفايات، ولا أريد أن أدخل هنا في لعبة المعدلات، ولكن المطلوب إلقاء نظرة على الدول التي كانت تتفاخر بالثراء والرخاء وكيف هي الآن؟ الدول الأوروبية المتضررة أكثر من الوباء بحاجة إلى ما يزيد عن 500 مليار يورو لترميم بعض حالها، بينما تعترض دول أوروبية أخرى على استقطاع هذا المبلغ من ميزانية الاتحاد الأوروبي العامة، وتشدد على هذا الاعتراض الدنمارك والسويد وهولندا والنمسا، وكذلك الحال في الولايات المتحدة الأميركية واليابان وكندا وكوريا الجنوبية، إذ تراجعت حصة إعلانات الرخاء إلى معدلات واطئة جدا حتى أن الليدي جاجا أثارت سخرية ملايين الأميركيين وهي تطلق إعلانا من أجل تسويق نوع جديد من مساحيق تلوين الجفون.
الأسبقية الثانية: إيقاف طوفان المغالبة المبنية على ضخ ما يسميه مفكر اللسانيات الأميركي تشومسكي ثقافة الإلهاء، ومن يقرأ ما قاله هنري كيسنجر عن مخلفات كورونا يجد أن هذا السياسي الذي كان مغاليا في إعطاء الأسبقية الترجيحية لبلاده الولايات المتحدة الأميركية يدعو الآن على غير عادته إلى رسم أولوية جديدة تنطلق من روح التضامن مع الدول الأخرى، أما على صعيد الدولة الواحدة فلا بديل من التضامن المجتمعي مع الحكومات وفق مواثيق عهد تتوخى الشراكة في تحمل الأعباء، وليس انتظار أن تتحمل الحكومات وحدها المسؤوليات.
لا شك أن مبادرات مجتمعية كبيرة حصلت في مواجهة الوباء ولكنها ظلت عند حدود العفوية، وهي بحاجة ماسة الآن إلى منظومة عمل تمثل عونا للحكومات في تقاسم المسؤوليات.
الأسبقية الثالثة: وترتبط بالأسبقيتين الأولى والثانية وتقوم على الإقرار بمنظومة التنوع، وبمعنى مضاف، الإصغاء للآخر ورفض التكسب على حساب خسائر الآخرين.
إن ما أقوله هنا ليس من باب التمنيات بل من محتوى التشخيص أن العالم، كل العالم، على صعيد العلاقات الدولية، أو على صعيد الدولة الواحدة قد تعرض إلى هزات بنيوية متعددة الصفحات، وهو بحاجة ماسة أصلا إلى القوة المخلّقة (من الأخلاق) المرتكزة على العدل والسلام والشراكة وليس القوة العارية المتوحشة.
أذكر عن جورج براون وزير خارجية بريطانيا الأسبق أنه عندما تولى منصبه أسرع إلى تبديل ستائر مقر الوزارة بستائر شفافة نسبيا، وأطلق توجيهه الشهير (دعوا الشمس تدخل إلى بلادي) ومن حينها أزاحت بلاده عن كاهلها الكثير من مخلفاتها الاستعمارية النفسية القديمة، وأرى الآن أن العديد من دول العالم بحاجة ماسة لمثل تلك الستائر الشفافة التي تقطع الطريق على أية عتمة أو متاريس.