محمد بن ركاض : زايد أول من تلفظ بكلمة السعادة لتغيير واقع الأحوال

الخليج 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

العين: منى البدوي

اختزنت ذاكرة الشيخ محمد بن ركاض العامري، والذي تولى عدة مناصب على مستوى مدينة العين وإمارة أبوظبي، فهو حالياً عضو المجلس الاستشاري الوطني منذ العام 1994، ورئيس لجنة صندوق الزواج على مدى 18 سنة، ورئيس لجنة المصالحات بين العشائر في منطقة العين، كما يشغل منصب نائب رئيس مجلس بلدية مدينة العين، ومسؤوليات اجتماعية أخرى، اختزنت ذاكرة العامري، تاريخ الوطن الذي أسسه المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومسيرته الزاخرة بالمحطات التي كان شعب الإمارات يستقي منها الحكمة والعبرة والرأي السديد.
عاصر الشيخ محمد بن ركاض، القائد المؤسس الشيخ زايد، طيب الله ثراه، خلال الفترة التي بدأ فيها وضع أولى لبنات وأركان الدولة، وبات شاهداً حيّاً على المسيرة التي شهدت خلالها الدولة البناء والتعمير والتطوير والتحديث في مختلف جوانب الحياة، ووضع اللبنة الأساسية التي تسهم في تحقيق الرفاهية والحياة الرغيدة للمواطنين وكل من يقيم على أرض الدولة، وخلال ذلك حظي العامري، بالنهل من القيم العربية الأصيلة والعطاء والسخي والحكمة وبُعد النظر والرأي السديد والمبادئ الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية وغيرها من المبادئ والقيم التي حرص، رحمه الله، على تعزيزها في نفوس شعبه.
واسترجع العامري، والذي رافق الشيخ زايد، رحمه الله، في كل مراحل حياته وفي حلّه وترحاله، شريطاً من الذكريات التي تعود إلى عقود مضت، ليستعرض المحطات والجولات التي رافق خلالها الشيخ زايد، عندما كان حاكماً للمنطقة الشرقية، والصفات التي توفرت في هذه الشخصية الفذة من العمل والإخلاص والفروسية والشهامة وبعد النظر والفطنة السياسية، وصولاً لتسلم الشيخ زايد مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، وبلورة الحلم الأكبر الذي تحقق بقيام دولة الاتحاد.

زايد علمنا حب الوطن

وقال: علمنا الشيخ زايد حب الوطن نحن وأبناءنا وأحفادنا، حيث كنت في العشرين من العمر عندما التقيت بالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، لأول مرة، وأصبحت لاحقاً واحداً من رفاق زايد في جولاته ورحلاته، وعاصرت هذا الرجل العظيم، حكيم العرب، وعرفته زعيماً كريماً وشجاعاً، وتعلقت به منذ تلك الفترة، وتعلمت منه حب الخير والتفاني في العمل والإخلاص للوطن، حيث إن الشيخ زايد، رحمه الله، كان مدرسة حقيقية لشعبه، فقد عمل بلا كلل أو تعب لإسعاد أبناء شعبه وتحويل آمالهم وتطلعاتهم إلى حقائق على أرض الواقع.
كنت في العين، عندما سمعت خبر تسلّم الشيخ زايد لمقاليد الحكم في إمارة أبوظبي عام 1966، كان ذلك اليوم من أسعد أيامي، وعندما زرت الشيخ زايد للتهنئة، قال لي نريد من المواطنين في مناطق العين أن يتوجهوا إلى أبوظبي لأخذ أراضٍ تجارية، وذلك لتسريع عجلة التقدم والازدهار، وبعد مرور السنوات لمسنا مدى عمق نظرة الشيخ زايد وحكمته وقدرته على اتخاذ قرارات صائبة، وأدركنا فيما بعد كيف ساهمت توجيهاته وذكاؤه وبُعد نظره في الإسراع بالنهضة، حتى باتت الإمارات تسابق الدول الأخرى.

بيوت ومدارس في اليحر

وأضاف في مرحلة قيام دولة الاتحاد، مازلت أذكر الزيارة الأولى التي قام بها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لمنطقة اليحر، والتي كانت تعرف في ذلك الوقت بوادي اليحر، الذي لا يحتوى إلا بئراً واحداً كان يعرف باسم، «الثقيبة»، تجاوره أربعة بيوت من العريش والشعر تحيطها الرمال من كل جانب، في تلك الزيارة التقى الشيخ زايد بشقيقي الأكبر «سالم» مع عدد من أبناء القبائل واستمع إلى طلباتهم، وكان هذا اللقاء هو بداية الخير على هذه المنطقة، حيث وجه رحمه الله، ببناء أكثر من 80 بيتاً شعبياً، وأمر بحفر أكثر من بئر للمياه فكانت البداية بجذب العديد من راغبي الإقامة في هذا المكان، ولم تتوقف زيارات الشيخ زايد لنا في اليحر، بل تواصلت باستمرار كلما كان في طريقه إلى قصر المقام بمدينة العين من أجل الوقوف على ما تم إنجازه، وبعد مدة قصيرة كانت المفاجأة الثانية لأبناء المنطقة بإنشاء مدرستين في اليحر، واحدة للبنيين والأخرى للبنات.
وتابع في منتصف السبعينات من القرن الماضي، عندما كنت في إحدى الزيارات إلى مجلس الشيخ زايد في أبوظبي، سألني، رحمه الله، عن أحوال المدرستين في اليحر وإقبال الطلبة على التعليم، وقلت له: الأمور جيدة يا طويل العمر، نشكر الله على هذه النعمة، ونشكر سموكم على كل شيء تقدمه من أجل راحة المواطنين، لكننا نحتاج إلى زيادة عدد المعلمين في المدرستين باليحر، وكما عودنا، رحمه الله، دائماً بتلبية المطالب بسرعة وخلال أسابيع، حيث أمر باستدعاء معلمين ذات خبرة من بعض الدول العربية لتعويض هذا النقص، وبعد أشهر قليلة أمر الشيخ زايد بفتح قاعات دراسية لتعليم الكبار، وأتذكر أنني كنت أول من التحق بهذه القاعات الدراسية وشجعت غيري من كبار السن للحضور والتعلم.

شؤون أبناء اليحر

وأضاف، كلفني الشيخ زايد، رحمه الله، بمتابعة شؤون أبناء منطقة اليحر، وتلبية متطلبات معيشتهم واستقرارهم، وكانت البداية توزيع المزارع وتربية الإبل، وخصص، رحمه الله، مبالغ مالية لمربّي الإبل وأخرى لكل مزرعة حيث كانت الزراعة شغله الشاغل، حيث لم يكن في اليحر آنذاك سوى 10 منازل من سعف النخيل وبيوت الشعر والخيام التي تتقاذفها الرياح والأمطار والرمال، واليوم باتت اليحر من أكبر ضواحي مدينة العين، وخلال 32 عاماً أي منذ عام 1968 وحتى عام 2000 تحولت «اليحر» إلى مدينة تحتوى على جميع المقومات والمؤسسات، وصولاً إلى اليوم وما شهدناه من تطور وازدهار تجاري وعمراني.

زايد مؤسس وطن السعادة

وأكد ابن ركاض أنه مع كل زيارة أو جولة لزايد الخير إلى مناطقنا، كان يسأل الجميع عن احتياجاتهم ومتطلباتهم ويستمع عن قرب لمشاكل وهموم الناس بهدف إسعادهم، وهذا الاهتمام لم يكن لمدينة اليحر وحدها؛ بل شمل العديد من المناطق التي كانت في بداية سبعينات القرن الماضي، رمال قاحلة لتصبح مدناً شامخة، واعتبر ابن ركاض أن لفظ كلمة السعادة لم تكن جديدة على دولة الإمارات، فزايد الخير كان أول من تلفظ بها لتغير واقع الأحوال، وكانت رغبته أن يطلقوا على أحد شوارع أبوظبي، شارع «السعادة» رغبة منه في أن تكون السعادة واقع ملموس يشعر به الجميع.

أنبت فكرة الأعراس الجماعية

ذات يوم نقلت للشيخ زايد حالة الأعراس التي تقام عند بعض المواطنين وتتجاوز تكاليفها مئات الآلاف، وبينت له أن ذلك غير صحي في مجتمعنا، فأثنى على موقفي وقال لي: علينا فوراً أن نعالج هذه المظاهر وتوعية المواطنين، وكان زايد إذا سمع فكراً في موضوع أو توقع شيئاً ظل يتابعه حتى يتحقق.
وهكذا حصل بعد شهور، فأصدر قراره بتأسيس صندوق الزواج، والتشجيع على إقامة الأعراس الجماعية، وقد أوكلت لي مهمة رئاسة لجنة صندوق الزواج في مدينة العين على مدى 18 سنة متواصلة، وبطلب خاص من الشيخ زايد، رحمه الله، كلفت أيضاً بالتحضير لإقامة وتنظيم أول عرس جماعي كان على مستوى الإمارات، وكان ذلك في اليحر، صيف العام 1998، أي قبل 20 عاماً.
وقال بتوجيهات من الشيخ زايد، عملنا من خلال إطلاق فكرة الأعراس الجماعية وإسهامات صندوق الزواج في تغيير السلوك عند كافة أبناء القبائل؛ حيث أصبح المواطن يعي تماماً إيجابيات تخفيض تكاليف الزواج، وبضرورة الفحص الطبي قبل الزواج، واقتناعه بفكرة الأعراس الجماعية، كما أن نسب الطلاق انخفضت، وتم إنشاء 8 صالات للأفراح في العين، تشمل كل المناطق، لتكون دعماً ورافداً حقيقياً لهذه الأعراس والتخفيف عن كاهل الشباب، وقد ساعدت فكرة الشيخ زايد بتأسيس صندوق الزواج في التخفيف من المباهاة والتفاخر، والحد من المهور وحفلات الزواج، حيث حدد تكاليف العرس ب70 ألف درهم وأن يكون الحفل قاصراً على يوم واحد فقط والتشديد على عودة الشباب إلى جذورهم وتقاليدهم، وتشجيع الزواج بين المواطنين والمواطنات وألاّ يزيد مقدم الصداق على 20 ألفاً والمؤخر 30 ألف درهم فقط.

لجنة المصالحات

وذكر أن من أفكار الشيخ زايد، رحمه الله، التي ساهمت في حل قضايا ومشاكل أبناء القبائل، تأسيس لجنة المصالحة والتي تمارس دورها بعيداً عن المحاكم والسجون، وقد كلفني الشيخ زايد بترؤس اللجنة في العين وما زالت برئاستي حتى اليوم، ومن أشهر قضايا اللجنة، أذكر أنه اختصم رجلان على بعير، أحدهما أعطاه للآخر، وبعد فترة تراجع عن رأيه وطالب بالبعير، وتقدم بشكوى رسمية للمحكمة، ووضع كل منهما محامياً، واستغرقت القضية أكثر من سبع سنوات بين أروقة المحاكم، ولجأ المتخاصمان لاحقاً إلى لجنة المصالحة، حيث قامت بتسوية القضية خلال يومين، وأقرّ الشخص المانح بملكية البعير للشخص الآخر مقابل تنازل الطرف الثاني عن الدعوى، وكان الشيخ زايد يفرح عندما تصله أخبار أن لجنة المصالحات قد عالجت المشاكل بين المواطنين وعدم اللجوء إلى المحاكم.

العدالة والمساواة

وأشار إلى اهتمام المغفور له الشيخ زايد بالزراعة والأرض، حيث قال كان زايد الخير حريصاً على تشجيعنا على الزراعة وإعطاء المساعدات للمزارعين، وزراعة الأشجار المناسبة للمناخ الصحراوي بهدف زيادة المساحة الخضراء في الوطن، كما كان يشدد أولاً على زراعة النخيل، وفي كل زيارة لمجلسه كنت أسمع من الشيخ زايد مشروعاً جديداً في حقول الزراعة والمشاريع الكبرى في كل مكان، وكان يصر، رحمه الله، على إنعاش المناطق البعيدة وتحلية المياه.
ومن المواقف التي ما زال يذكرها أن مواطناً جاء للشيخ زايد يطلب منه منزلاً ومزرعة في إحدى مناطق العين، فقال له الشيخ زايد انتظرنا أسابيع قليلة وسنعالج الموضوع بشكل عام لكل أبناء هذه المنطقة بالعدالة والمساواة، وليس بالمفرد، وما هي إلاّ أيام قليلة حتى أصدر الشيخ زايد قراره الفوري بمنح منزل ومزرعة لكل مواطن على حد سواء في تلك المنطقة، وبعد لحظات صمت، تابع العامري: كانت فضائل ومآثر الشيخ زايد التي ما زالت موجودة في مناحي حياتنا اليومية كافة، فقد كان اهتمامه بإرساء المساواة والعدالة الاجتماعية بين أبناء الشعب الواحد، بل كان القاضي العادل وصاحب البصيرة النافذة، والراعي الصالح إلى جانب كل المواطنين دون استثناء.
وختم حديثه بقوله: إن المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد غرس في نفوس أبناء الإمارات حب الآخرين والتواضع والتعايش مع الآخر.

0 تعليق