الخرطوم تنزف….”مجزرة ” الثامن من رمضان … دموع ودم …

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الخرطوم تنزف….”مجزرة ” الثامن من رمضان … دموع ودم …, اليوم الخميس 16 مايو 2019 01:55 مساءً

السودان اليوم:
نزفت الخرطوم مساء الأثنين ” الثامن من رمضان ” دموعً ودم ، سُكبت على أرصفة الطُرق و باحات المُستشفيات وعنابرها ، ” دماء ” لأبناء وطن استقبلوا بصدورهم وابل الرصاص مُرددين ( جهز معاك كفنك ، يا أنت يا وطنك ) ، ودموع أم انتظرت فلذة كبدها للسحور ، لكنه لم يأتي .
ليلة الثامن من رمضان سوف تظل بكل ماحوت من مرارات غصة في أفئدة الشعب السوداني ، وألم دفين يرقد بالوجدان ، وسوف ستظل عالقة – بصفة خاصة – في أذهان الأطباء الذين سطروا ملحمة بطولية حتماً ستتناقلها الأجيال.

أصوات “ذخيرة ”
**
يَسرد الطبيب بمدينة المعلم الطبية د. علي عمر ، وهو أحد الأطباء المُناوبين ليلة الثامن من رمضان وقائع الأحداث ل(الجريدة) بقوله : الساعة كانت تزحف ببطء نحو الثامنة مساءً ، الأوضاع هادئة تماماً ، إلا من همهمات الزملاء ، وفجاءة سَمعنا أصوات ” ذخيرة “، كانت واضحة وقوية ، دبء الرعب وسط المُتواجدين بالمُستشفى ، وبرزت استفهامات عديدة على الوجوه .
مُضيفاً ، استقبلنا أول اصابة وقد كانت ” طفيفة ” ، إذ تعرض شاب يافع لرصاصة في قدمه ، بعدها تدفقت علينا الحالات لقُرابة ساعة كاملة ، ولكنها لم تكن خطيرة ، جُلها تمركز على الأطراف ( الأرجل واليد ) ، وقد تمكنا من اسعافها.

**حالة وفاة*

لم يستمر هذا الوضع كثيراً ، إذ بعد مرور قُرابة الساعة تحديداً ، جاءت حالة وفاة ” جنازة عديل “، لم نتمكن حتى من إنعاشها ، وصل المستشفى بعد أن فارق الحياة .
يقول د. عمر ، إن هُناك شيء غريب لفت انتباهه في جثمان الشاب ” محمد عبدالله ” ، حيث لم تكن تُوجد به أيّ أثار لطلق ناري (رصاصة) ، كانت جثته ( نضيييفة تماماً ) ، إلا من بعض الدماء ، ولكنه عندما سأل قالوا له ( مضروب طلقة )!. مُردداً قوله ( لم أرى أيّ أثر يُؤكد تعرضه أو إصابته برصاصة ).
الساعة كانت تُشير للحادية عشر تماماً ، عندما صعدت روح ثانية نحو السماء ، كانت لشاب صغير في السن ، لا أعتقد أن عمره تخطي ال١٩)عام بعد ، حاولنا إسعافه ، ولكننا لم نتمكن من إنقاذه ، جسده الهزيل لم يحتمل ففارق الحياة في أقل من ربع ساعة .

**غرق في البحر*

كشف د. عمر خلال حديثه معنا ، عن استقبالهم صباح أمس لحالتين وفاة انتشلت “جثثهم ” من البحر، مُؤكداً وجود أثار حريق عليها ، قائلاً : ( الجثث محروقة بالنار في منطقة الضهر والأطراف) ، مُردفاً (أثار تعرضهم للحرق بالنار واضحة للعيان ، كما إنه لا يُوجد عليها أيّ أثر لإصابة بعيار ناري)، مُشيراً بأنه تم تحويل هذه الجثث للمشرحة لمعرفة أسباب الوفاة .

*إصابات في الرأس*
تم إسعاف اعداد مُقدرة لإصابات مُباشرة في الرأس ، ولكن – والحديث مازال لدكتور عمر – لم نتمكن من إنقاذاها ، أخر حالة فارقت الحياة بالعناية المُكثفة صباح هذا اليوم ، بعد خضوعها للعملية الجراحية ولكن إرادة الله كانت أقوى .
يرقد حالياُ بعنابر مدينة المعلم الطبية مايتجاوز ال(٢٥) مُصاب ، تتطلب إصاباتهم عناية لصيقة ، بينما تمت مُعالجة اگثر من (١٠٠) اصابة وصفها د. عمر بالمُتفاوتة بين المتوسطة والطفيفة وهؤلاء غادروا باحة المستشفى في أوقات مُتباينة .

*
*مجزرة بشعة
**
يختم د. عمر وخيمة عابرة من الحزن غطت حباله الصوتية حديثه ، حتى هذه اللحظة لستُ في وضع نفسي يسمح لي بتوصيف ماحدث ، إنه يفُوق حد الوصف بمراحل بعيدة ، لا إنسانية ، لا يوجد ” بني أدم ” يُمكنه أن يفعل ما شاهدته تلك الليلة بتاتاً ، ماالغاية من قتل هؤلاء الأبريا العزل بهذه الوحشية ؟! ، كُنا نُسعف المُصابين وبداخلنا ألف سُؤال ، ماالهدف من قتل إنسان ، وتُعذيبه ،وحَرقه ، ورميه في البحر ؟! ، (دِي ما تصرفات بني أدمين ) ، وأُؤكد إنه إذ ما أستمر هذا الوضع دُون حسم ومُحاسبة سوف ينقرض الشعب السُوداني ، ماحدث “مجزرة مُكتملة الأركان ” _ لا يُوجد مُسمى أخر غير ذلك .

**الدعم السريع*
طبيب المُختبر بمدينة المعلم د. عبدالحميد أحمد – ، يروي لنا بدوره أحداث ليلة مُظلمة تسللت خيوطها الغاتمة بأفئدة الشعب عامةً ، فقال : كُنا داخل المستشفى عندما سمعنا أصوات ” ذخيرة ” على مقربة من المستشفى ، خرجتُ بمعية بعض الزملاء لمعرفة ما الذي يحدث ، وبالفعل وجدنا مجموعة من أفراد الدعم السريع يطلقون النار ، عندما سألناهم ، أخبرونا بإنهم القوا القبض بمُساعدة من عناصر الإستخبارات على فرد تابع لجهاز الأمن . وبالفعل كان يتبع الرجل المُقتاد رهط من الثُوار الذين خاطبهم أحد أفراد الدعم السريع ( سلمتونا ليه أرجعوا أماكنكم ) ، ومرة أخُرى تم إطلاق نار لتفريغ المُتجمهرين الذين عادوا أدراجهم ، وعُدنا بدورنا إلى داخل المستشفى.

*هدوء ماقبل العاصفة*
يقول د.عبدالحميد ، هدأت الأوضاع قليلاً ، فإنشغل كُلاً بعمله ، لا أستطيع تقدير الوقت ، ولكنها لم تكن بالمُدة الطويلة ، حيث إخترقت أُذاننا وقُلوبنا أصوات مُدوية لإطلاق رصاص قادمة من ناحية شارع جامعة الخرطوم ، كانت قوية لحد يُشعرك بالرهبة والخوف .

مُضيفاً ، لم نكد نجد إجابة لما يدور بالخارج ، حتى أقتحمت مجموعة من الشاب بوابة الطوارئ ومعهم ” ثائر ” محمول على أيديهم – كانت أول حالة – حملت معها إجابة واضحة عما يحدث خارج أسوار المستشفى .
هرعنا لنجدته بمعية الكادر الطبي المُناوب تلك الليلة ، وسرعان ما توالت الإصابات ، عددنا لم يكن كبير وقتها ، ولكننا صمدنا حتى إنهمرت علينا أعداد غفيرة من الكوادر الطبية بمُختلف تخصصاتهم بعد أن اطلقنا نداء استغاثة عبر مواقع التواصل الإجتماعي ( فيسبوك ، واتساب ) ، عندما شعرنا بأن الأمر بدأ يفوق حد احتمالنا وأوشك أن يخرج عن السيطرة .

**حزن وغبن*
على رأس كُل دقيقة كانت تأتي إصابة جديدة ، بركة من الدماء على الأرض ، حالة من الذهول ألجمت ألسنة الأطباء كُنا نركض على السلالم لإحضار الأدوية والدربات متناسين وجود ” المصعد ” لتبديد الغبن الذي ملأ صدورنا .
أما عني فقد بلغ مني الحزن مُنتاه بقدوم ” حالة ” لشاب مُصاب بطلقة أسفل منطقة ” القاش ” ، كان وضعه خطير عندما أحضروه يصارع الموت ، وللأسف فقدناه بعد أقل من ربع ساعة .

*دار العلاج*
يُؤكد د.عبدالحميد ماقاله زميله د. عمر سابقاً ، فيما يتعلق بإصابات الطلقة المباشرة في الرأس بقوله : نعم ، استقبلنا حالات عديدة لإصابات مباشرة في الرأس ، أولها كانت لشاب يُدعى ” قصي عبدالغفار “، وثانيها لشاب ايضاً يُدعي ” أحمد ” ولكنه للأسف توفى نهار أمس ، بينما يوجد ” قصي ” في العناية المكثفة الأن . اما الإصابة الثالثة فهي لشاب من أبناء الحاج يوسف أسمه محمد عيسى ، اُصيب بطلقتين في الرأس اخترقتا ” النُخاع الشوكي ” ، تمكنا من اخراج الطلقتين من رأسه بعد خضوعه لعملية جراحية مستعجلة ولكنه للأسف توفى متأثراً بجراحه صباح اليوم بمستشفى دار العلاج .
كما أكد د. عبدالحميد بدوره استقبالهم لحالتين الغرق – أنفة الذكر – تم تحويلها للمشرحة .

*مواقف مُشرفة*
يروي د. عبدالحميد بفخر ماسطره زملائه وجماهير الشعب السوداني ، رغم الذي حدث ، لم نُواجه أيّ نقص أو حَوجة سواء فيما يتعلق بالدواء الذي وفرته وتكفلت به إدارة المستشفى ، أو الدم ، قائلاً : ذهبت إلى معمل ” استاك ” بنفسي وأحضرت أكثر من (٤٠) زجاجة دم .
أما الكادر الطبي فقد ملء جنبات المستشفى حتى فاضت ، ناشدنا أطباء الجراحة فلبوا النداء في دقائق معدودة ، وظلوا يتناوبون على إجراء العمليات حتى الساعات الأولى من الصباح .
مُشيراً إلى أنه تم تحويل اعداد كبيرة لبعض المستشفيات على رأسها ( رويال كير ، فضيل ، دار العلاج ) .

*للتاريخ* …
ستبقى أحداث ليلة الثامن من رمضان ، عالقة في أذهان أطباء مدينة المعلم الطبية ، أولى المُستشفيات التي استقبلت جرحى الثورة السودانية المجيدة لقُربها من موقع الإعتصام أمام مقر القيادة العامة ، وفي ذهنه خاصةً ، حيث يصف د. عبدالحميد تلك الليلة بالمأساوية ، ويُضيف : ( شاهدتُ إصابة اخترق فيها الرصاص جبين ” شاب ” وخرجت من أسفل رأسه ، واُخرى انتصفت أعلى الرأس لتخرج على مبعدة من العين ، بينما اخترقت طلقة قلب ” ثائر ” ) . ما شهدناه لا يحتمله قلب إنسان ، لا يُوجد شخص يمتلك أدنى صفات الإنسانية يمكنه تجاوز هذه المأساة بسهولة .
اما مازاد الأمر صعوبة ، توافد الأُسر ، بعد انتشار الخبر على الوسائط الإلكترونية ، إنهيار الأمهات ، دموع الأباء ، الأصدقاء ، كُلها رسمت ملامح ليلة حزينة للغاية .

هذا المقال "الخرطوم تنزف….”مجزرة ” الثامن من رمضان … دموع ودم …" مقتبس من موقع (السودان اليوم) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو السودان اليوم.

أخبار ذات صلة

0 تعليق