في رمزية الكوارث "الطبيعية" العربية

العربى الجديد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ
خلال أيام معدودة في الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، شهدت أرجاء الوطن العربي عدة كوارث، ظاهر بعضها "طبيعي"، وحقيقتها كلها أنها مما كسبت أيدي الناس، وخصوصا أيدي المسؤولين. نال السودان كالعادة نصيب الأسد، حيث دمّرت السيول والفيضانات منازل الآلاف في مدينة كسلا ومناطق أخرى، وفقد عشرات حياتهم. بل تحوّلت العاصمة الخرطوم نفسها، خلال عدة أيام، إلى حالة كارثة "طبيعية" بامتياز، فأغلقت الأمطار شوارعها التي تحوّلت إلى برك آسنة، ومخاطر كامنة، وتعطل العمل وتعذّرت الحركة. ولكن ثالثة الأثافي كانت غرق قارب ينقل تلاميذ إلى مدارسهم، وموت 22 طفلاً، منهم خمس فتيات من أسرة واحدة، تعرّض جيل كامل منها للإبادة. وقبيل ذلك انهارت "مدرسة" (إن صحت تسمية ذلك البناء) على رؤوس الأطفال في إحدى ضواحي العاصمة، فمات عدد من التلاميذ.
وفي جزائر المليون شهيد، الرابضة عند بوابة أوروبا، أعلن عن تفشّي وباء الكوليرا، وهو من أوضح علامات التخلف وعجز الدولة. وكان اليمن السعيد قد سبق الجزائر بتفشّي هذا الوباء، بما كسبت أيدي من استرخص الحياة في البلد المنكوب، وحرَمَه من أبسط متطلبات الحياة الكريمة. وكأن هذا لم يكن كافياً، فقد تتالت خلال الشهر الماضي حوادث استهداف أطفال اليمن قصفاً، فمات منهم العشرات، وبعضهم يبحث عن الأمن هرباً من قصفٍ أعمى، فناله القصف المتعمد المبصر. ولم تسلم السعودية، المسؤول الأكبر عن كوارث اليمن، من آثار كوارث طبيعية، مثل العواصف والأمطار التي ضربت المشاعر المقدّسة أيام الحج. وفي مصر المحروسة، تزايدت خلال الشهر الماضي حوادث القطارات والطرق، إضافة إلى ارتفاع حوادث الانتحار.
ولا حاجة هنا إلى سرد بقية التفاصيل المتاحة لمن طلبها عن بقية بلداننا المنكوبة، والمعروفة 
"لا تتفشّى الكوليرا إلا في بلدٍ يفتقد أدنى درجات الإمكانات الصحية والوعي عند المسؤولين"
لكثيرين، خصوصا من اكتوى بنارها مباشرة. كذلك لا يُغفل هنا أن بعض هذه الحوادث من القضاء والقدر، خصوصا عند الحديث عن عواصف ابتلي بها ضيوف الرحمن من الحجيج. كذلك لا نقول إن الكوارث تقتصر على البلاد الأقل نمواً، فهذه الأيام تواجه اليابان، والولايات المتحدة وعديد من دول أوروبا، كوارث تمثلت في الأعاصير والزلازل والبراكين وتقلبات الجو، حيث يروح ضحيتها كثيرون. ولكن هنا بيت القصيد، فهذه الدول تتمتع بصلابةٍ في بنيتها التحتية، تجعلها قادرةً على تحمّل هذه التقلبات، بقليل من الخسائر، فهناك قدرة على نقل مئات آلاف من طرق مسار الأعاصير خلال سويعات، وتوفير المأوى لهم. كما أن المباني في مناطق الزلازل، مثل كاليفورنيا وطوكيو، صممت بحيث تتحمل أقوى الهزّات. وعندما يقع بعض التقصير، كما حدث في حالة إعصار كاترينا في خليج المكسيك في عام 2005، والذي سبب خسائر بلغت 125 بليون دولار، فإن عاصفة سياسية لا تقل ضراوةً تضرب الساحة السياسية، ويدفع المسؤولون أثماناً غالية. كذلك فإن الدولة ومؤسسات التأمين تتولى تعويض المتضرّرين. هذا بالطبع بعد الاعتذار، وتحمّل المسؤولية، ومراعاة كرامة الضحايا، ومشاعرهم الإنسانية. فوق ذلك وقبله ومعه، فإن منظمات المجتمع المدني تتحرّك بحيوية وقوة في أكثر من اتجاه: التحذير والإنذار والتحضير؛ المساعدة والدعم؛ الضغط والتنبيه تجاه السلطات.
من هنا، وقوع الكوارث من جهة، والتعامل معها من جهة أخرى، يكشفان عن طبيعة المجتمعات والأنظمة معاً، فوقوع القدر لا يخلي العباد من المسؤولية، بل هو اختبارٌ لهم. والتصدّي للكوارث يكشف مدى حيوية المجتمعات، ومدى فاعلية الحكومات وقدرتها على الاستجابة للأحداث. من هذا المنطلق، ما يشهده العالم العربي من كوارث، وما يتبع ذلك من طرق التعامل معها، يذكّران الناسي بأن هذا عصر عربي كارثي بامتياز، وهو أبعد ما يكون عن "الطبيعي". عصر أصبح فيه "التطبيع" يعني ممالأة العدو الغاصب ضد الأخ المظلوم، والتباهي بذلك، بينما كان العرب، حتى في جاهليتهم، لا يسكتون على ضيم، ولا يقبلون الدنيّة، ولا يتردّدون في نصرة المظلوم، ولا يفكّرون في الانحياز للعدو الظالم، والركوع أمام الغاصب، وتحويل العجز والذل والخنوع إلى "بطولة". إنه حقاً زمان انقلاب المطبوع، ورحم الله الجبرتي. عصر تكون ردة الفعل الأولى تجاه الكوارث الإنكار والتجاهل، ثم لوم الضحايا، ثم معاقبة المنظمات المدنية التي تجتهد في تقديم الدعم، لأنها تفضح الحكومات. ثم يأتي الكذب، والإشادة المنافقة بحكمة الحاكم وكرمه، وهو الذي أبدع وأنجز وأنفق، كأن القليل الذي قدّمته الدولة، وبعد فوات الأوان غالباً، هو من مال أبيه، وليس مال الشعب الذي يصرف منه على محاسيبه وحروبه الخاسرة (في الغالب حروب ضد الشعب صاحب المال) أكثر بكثير مما ينفق على تفادي الكوارث ومعالجتها.
لا يمكن أن تتفشّى الكوليرا، مثلا، كوباء إلا في بلدٍ يفتقد أدنى درجات الإمكانات الصحية والوعي عند المسؤولين، فهي ترمز إلى مرضٍ مماثل في الدولة، وقصور في المجتمع تسببت هي فيه. فعندما تحارب الدولة المجتمع، وتدمر منظماته وتضامنياته، وعندما يتفشّى الفساد في مؤسساتها، خصوصا مؤسسات العمل الصحي، وبالطبع المؤسسات المالية، تضعف المناعة الذاتية، وتتراجع، فالمرض يصيب الدولة أولاً، ثم المجتمع قبل وقوع الكارثة، ومقدمة لها. وعليه، حين تتفشّى الكوليرا في بلد نفطي غني، مثل الجزائر، وبلد مفترض فيه أن يكون قد مضى بعيداً في مضمار التعليم والحداثة، فإن هذا يثير أكثر من تساؤل.
المصيبة في الحالة السودانية أكبر، لأن الدولة لم تقصّر فقط، بل ساهمت بقوة في الكوارث، 
"التصدّي للكوارث يكشف مدى حيوية المجتمعات، ومدى فاعلية الحكومات وقدرتها على الاستجابة للأحداث"
ففي منطقة البحيرة التي وقعت فيها كارثة غرق التلاميذ، ظلت الحكومة في حالة حربٍ مع سكان المنطقة، فكما هو حال الاستيطان الإسرائيلي، ظلت الحكومة، خلال أكثر من عقد، تسعى إلى إخراج السكان من أرضهم، حتى يتم تمليكها لغيرهم. ولهذا السبب، تم إغراق الزرع والضرع، والمساكن والمدارس والمراكز الصحية. وبالتالي، يضطر التلاميذ للانتقال مسافاتٍ طويلة، غالباً بالقوارب، ليس فقط إلى ضفة النهر الأخرى، بل كذلك في الضفة نفسها، لأن الحكومة ترفض إصلاح الطرق وبناء الجسور، مثلما ترفض بناء المدارس. ولعلها كانت آيةً دالةً أن الحكومة ظلت صامتة عدة أيام حول الفاجعة، حتى بعد أن أرسل زعماء دول عدة تعازيهم إلى رئيس الجمهورية. ولم تكن تصرّفات الحكومة اللاحقة بأفضل من ذلك، حيث ما تزال حالة الحرب مع الشعب هنا مستمرّة. على سبيل المثال، مات عشرات الأطفال في المنطقة خلال الأشهر الماضية من لدغات العقارب، ولكن أهل المنطقة يروون أن أحد المسؤولين ممن زارهم لم يقدّم أي حلول للمشكلة، بل استخدم الأمر حجةً ليهدّد السكان بالمزيد، إذا لم يقبلوا الانتقال إلى المنطقة الصحراوية التي خصصتها لهم الحكومة! وهذا أبلغ توضيح لطبيعة مثل هذه الأنظمة، وكون خدمة الشعب ومصالحه آخر اهتماماتها.

0 تعليق