السعودية البعثية في تبرير الجرائم الغبية

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ
أصبحت مقاربة الذهنية البعثية الأسدية، بوصفها مدرسة في منهجيات تبرير الجرائم بشكل عام، والجرائم الغبية خصوصا، ممكنة ومنطقية؛ سيما بالنظر إلى ازدياد ظاهرة الجرائم السياسية، والقمع الوحشي، والعنف المفرط، في بعض الدول العربية، بعد تجربة الأسد وحزب البعث في قتل الشعب السوري، وتجويعه وحصاره وتعذيبه، والتنكيل به بأبشع الصور. ويبدو أن الذهنية الإجرامية التي تعامل بها النظام السوري مع الثورة، بما ووجهت به من صمتٍ وتواطؤ دولي، قد أصبحت مثلًا يحتذي به الساعون إلى احتكار السلطة، وإلى التسلطية المقيتة؛ فقد أثبتت هذه الذهنية نجاعةً في التخلص من الأصوات الحرة، على الرغم من غبائها وهمجيتها وانحطاطها أخلاقيًا. وأثبت "العالم المتحضر" أن وجودها لم يعد يشكل له أي أزمةٍ أخلاقيةٍ أو قيمية، ولم يعد يعرّضه لأي نوعٍ من الحرج. على النقيض من ذلك، أصبحت بعض الأصوات اليمينية في الغرب تطرح أزمة القيم من خلال طرح سُبل حماية الذات من تأثير ثقافة اللاجئين، ومن ثم في ضرورة مؤازرة الأنظمة الاستبدادية القمعية وتمكينها.
وبغض النظر عما يمكن أن نقول إنها أزمة قيم عالمية، فإننا، على ما يبدو، نواجه أزمة انتشارٍ للقيم السرطانية أقليميًا، فالأنظمة الإقليمية المتسلطة الصاعدة بقوة في مصر عبد الفتاح السيسي، والسعودية محمد بن سلمان، والإمارات محمد بن زايد، وجدت في النموذج السوري مثلًا أنموذجيًا يُحتذى في تبرير ما لا يمكن للعقل البشري تبريره، وفي ممارسة الهمجية والقتل على "رأس السطح"، وفي وضح النهار، وفي تعلم "فن الوقاحة والتبجح". ويبدو أن النظام السعودي تعلم هذا الدرس بدقة، ويستخدمه في تبرير جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي هذه الأيام. وعن ملامح هذه الذهنية الغبية وشكلها العام، ثمة النقاط التالية:
أولًا: شرعنة الجريمة بالأيديولوجيا المقيتة: كانت "الممانعة والمقاومة" أيديولوجية النظام 
"نحن اليوم في عصر الذهنية البعثية الخمينية المتزامنة مع ازدهار الترامبية"
السوري لشرعنة وجوده، على الرغم من أنه لم يطلق رصاصة على العدو، بل على النقيض من ذلك، حشد القوى جميعها باسم الممانعة، ليستخدمها لقمع السوريين وقتلهم. ويقدّم نظام السيسي نفسه بوصفه "حاميًا من خطر الإرهاب"، وباسم أيديولوجية مكافحة الإرهاب، ما زال يسجن ويقتل من دون محاكمة، ويهدم المنازل فوق رؤوس البشر، ويصادر حرية الرأي والتعبير.. وفي هذا السياق، يمكن أن يفهم تذكير السعودية لنا بعد مقتل خاشقجي بأن ملوكها يحكمون "مهبط الوحي، وقبلة المسلمين"، على الرغم من أنهم يسيّسون العبادات، ويحرمون جنسياتٍ وأشخاصا من زيارة الأماكن المقدسة، ومن أداء فريضة الحج.
ثانيًا: شرعنة الجريمة بالتصدّي للمؤامرة: لهذه المؤامرة أسماء متعدّدة، وأدبيات إنشائية رنانة، فهي "المؤامرة الكونية" في أدبيات النظام السوري، وهي ما يترجمها السيسي بخطابات ديماغوجيةٍ مقزّزة، وهو الرئيس الذي لا يجيد التكلم بالعربية الفصيحة. لذلك أضطر إلى اقتباس قوله باللهجة المصرية: "والله أمنك واستقرارك يا مصر ثمنه حياتي أنا، أنا مش سياسي بتاع كلام، وأقول للمصريين انزلوا تاني إدّوني تفويض أمام الأشرار.. يلي عايز يلعب في مصر لازم يخلص مني أنا الأول، احذروا، يلي اتعمل من سبع سنين مش عيتعمل تاني.. إلخ". وهذا يوضح أن السيسي لم يكن تلميذًا وحسب، بل كان تلميذًا نجيبًا، فقد طوّر في مستوى غباء الذهنية، وجعلها بالفعل أكثر غباءً وسذاجة. أما السعودية فقد عبرت عن هذا الدرس البعثي بمصطلح "تكالب الضغوط، كما جاء في تصريح مصدر مسؤول في إطار قضية خاشقجي، وهذا التوصيف أكثر التصاقًا بـ "المؤامرة الكونية"، لأن التهديد مباشرة ويُراد للحل أن يأتي سريعًا.
ثالثًا: شرعنة الجريمة باسم الوطن والمواطنة: يجب أن تنشئ هذه الذهنية تطابقًا بين الدولة والوطن والنظام السياسي الحاكم. فتطمس بغباءٍ الفروق الواضحة والبديهية بين هذه المفاهيم، وتجعلها تتطابق، وهذا التطابق ضروري للتسلط، بل هو شرطه اللازم. ويحرص أتباع هذه 
"المواطنة، في العمق، تتطلب عملًا أكبر في الجانب الأخلاقي، وفي مراكمة رأس المال الاجتماعي الوطني"
الذهنية، أساتذةً وتلاميذ، على ربط سقوطهم بسقوط الوطن، فيتهمون المعارض بـ "النيْل من هيبة الدولة"، وتطلق شعاراتٍ على غرار "الأسد أو نحرق البلد"، و"وجوب الطاعة المطلقة لولي الأمر".. إلخ. ويحتاج ذلك إلى مستوىً عالٍ من الوقاحة، فنجد حرص المصادر الرسمية السعودية على توصيف خاشقجي ب "المواطن السعودي، ويستدعي القاتل نجل هذا المواطن القتيل إلى قصره لكي يعزّيه. وكان كلٌ من بشار الأسد وعلي عبدالله صالح وحسني مبارك وجميع "الآباء القادة" يستهلون خطاباتهم بـ "أيها الأخوة المواطنون"، فالمواطن، وفق هذه الذهنية، يمكن أن تتم تصفيته في سفارة بلاده، أو بالبراميل المتفجرة، وبالسلاح الكيميائي، أو يعذّب حتى الموت باسم المواطنة، أو يقتل تحت الجرافات، ويدمر منزله فوق رأسه من أجل مكافحة الإرهاب الذي يهدّده، أو باسم حقوقه والنضال من أجلها تُسرق الأموال وتنهب المساعدات.
ختامًا: ما كان لهؤلاء المارقين، بتعبيرات ترامب، أن يتمكّنوا من قتل مواطن وتقطيعه، لولا أننا مَكنّاهم من تقطيع مفهوم المواطنة، وجميع المفاهيم الجميلة التي تضمن لنا العيش برفاهٍ بوصفنا بشرا، وليس حيوانات شرسة، فالمواطنة، في العمق، تتطلب عملًا أكبر في الجانب الأخلاقي، وفي مراكمة رأس المال الاجتماعي الوطني. والإخفاق في الحفاظ على القيم وتطويرها يعني إخفاقًا في الحفاظ على الوطن، وهذا ما يدركه بعض الساسة الأميركيين الذين يعارضون بشدة موقف ترامب من قضية خاشقجي، ومحاولاته بيع موقف بلاده الأخلاقي في مقابل المال، فالسياسي الذي يفهم عمله يدرك جيدًا أنه عندما يقوم بذلك، سيأتيه يومٌ لن يجد فيه وطنًا ليصرف هذا المال الذي جلبه. ومن ثم لن يجد أبناؤه وأحفاده فرصةً ليتمتعوا بهذا المال، أما المارق فيفعل، كما يفعل ترامب.
وللأسف، إننا اليوم في عصر الذهنية البعثيّة الخمينية المتزامنة مع ازدهار الترامبية، لتكون بذلك وسطًا خصبًا لتبرير الجرائم، وتدمير المجتمعات الإنسانية، وسحق قيمها ومكتسباتها.

0 تعليق