أربعة مساجين من غير الإخوان

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ
يمكن أن يلتقي هؤلاء الأربعة صباحاً خارج الزنزانة، أو أمام بوفيه السجن، أو في ساعات التريّض في أيام الأعياد. لم يكن أي منهم على علاقة بالإخوان المسلمين، بل على خلاف معهم، هادئ أو صارخ أو مميت في بعض الأحيان.
أولهم أحمد دومة: ثائر وشاعر، وتهمته حرْق المجمع العلمي، باعترافٍ كامل على الهواء مباشرة، وحُكم عليه بالمؤبد، وقُبل طعنه على الحكم. كان له أعظم الأثر في ثورة يناير بشهادة الجميع. وأيضاً يكاد يكون قد رقص في استديوهات الملياردير ساويرس عند فض الاعتصام في ميدان رابعة في صيف 2013، وقبل ذلك بالطبع في 30/ 6، وكان فيها أيضاً أشرس منه في أثناء ثورة يناير.
قد يقابل حسام أبو البخاري الذي سبقه إلى السجن منذ فض اعتصام ميدان رابعة، من دون أن يقبل طعنه بالطبع. وقد يتصافحان في ابتسام أو في غير ابتسام، وقد يعاتبان عبد الحليم قنديل على تأخّره عليهما كل هذه السنوات التي حاول فيها أن يرصد إنجازات عبد الفتاح السيسي في خمس سنوات واعتبرها من المعجزات، فيرد عليهما قنديل: "أدينا جينا يا سيدي". وحينئذٍ، قد يضحك حازم عبد العظيم قائلاً: "بس أنا جيت قبلك". وقد يتضاحكون جميعاً على الحال، وقد سأل أحدهما المجموعة: "لماذا تأخر علينا حمدين إلى الآن؟"، فيرد عبد الحليم قنديل: "الحِسبة مش كده أبدا، ويمكن يكون في الطريق، يا سيدي". فيستأذن حسام أبو البخاري للقراءة.
الثاني حسام أبو البخاري: طبيب، وتهمته وجوده في ميدان رابعة. تعدّى سنواته الخمس في المعتقل، ولم يستخدم تديُّنه سُلماً إلى منصب أو قربى لأحد، لا من الإخوان المسلمين ولا حتى السلف. كان وحيداً، وظل وحيداً وفي القلب من الثورة. وحينما سأله أحد الإخوان: لماذا أنت في ميدان رابعة، على الرغم من أنك كنت من معارضي الإخوان المسلمين؟، فرد: "من الخطأ والخطيئة أن أكون في مكان غير هذا". وخرج من ميدان رابعة إلى المستشفى ينزف دماً، ومن المستشفى إلى المعتقل منذ سنوات. فهل حينما يراه عبد الحليم قنديل، وهو في كامل عزّته، يندم على سنوات خمس، ظل فيها قنديل خلف الزعيم السيسي، مرّة يردّد أن بينه وبين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، كيمياء. ومرة يقول: إنجازاته غلبت المعجزات.. وقد يبتسم حسام أبو البخاري، حينما يؤكد له عبد الحليم قنديل بجوار البوفيه: "أيو، يا سيد، اقتربت إنجازاته من المعجزات، وال أعمي كمان اللي ما يشوفش من غربال، عاوز حاجة تاني، يا سيد؟".
الثالث حازم عبد العظيم: دكتوراه في تكنولوجيا الاتصالات. تهمته نشر أخبار كاذبة. أحب السيسي مبكراً جداً، وقبل أن يتولى الحكم بأكثر من سنة، وكان قطباً فاعلاً في 30/ 6، ومهاجماً ثائراً مقر الإخوان المسلمين "بالطوب"، وضيفاً دائماً على قنوات رجال الأعمال، حتى باتت القنوات أن تكون بمثابة بيته الآخر، ومنظّراً للثورة المضادة بكل عنفوانه، وأيضاً منسّقاً عاماً للشباب في حملة ترشُّح السيسي للرئاسة. ومنذ شهور قليلة وهو في المعتقل، وقد يلمح صديق شبابه (عصام سلطان) قادماً من ناحية البوفيه، وقد تفرّق بينهما إدارة السجن للضرورات.
الرابع عبد الحليم قنديل: تهمته إهانة القضاء. هو رئيس تحرير صحيفة أسبوعية، ومن مؤسّسي الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، وعدو معروف وشرس لحسني مبارك وبزنس رجال الأعمال والمحاسيب عن بكرة أبيهم وأمهم. وعمل تحت إدارة الدكتور المعتز بالله عبد الفتاح، رئيساً لتحرير صحيفة صوت الأمة، مصدّقاً أوهامه أن الفلوس التي جمعها رجال أعمال مبارك ممكن لهم أن يبتلعوا ثأرهم لمبارك، وأن الرجل الذي يقول صبح مساء "معنديش أديك"، والذي بينه وبين ترامب "كيمياء" فعّالة، على حد تعبير عبد الحليم قنديل نفسه، يمكن أن يعيد إليه روائح جمال عبد الناصر وعطوره من ضريح سعد، لكي يعيد تقسيم الأراضي مرة ثانية على الفلاحين، في إصلاح زراعي في الألفية الثالثة، أو في خطة 20 – 30. والغريب أن من الممكن أن ترى عبد الحليم قنديل بجوار البوفيه يشرب الشاي، ويشرح للفلاحين المعتقلين، في همّةٍ نادرةٍ، خطة إعادة مصر للفقراء والمعدمين مرة ثانية، على الرغم من أنف قرون التاريخ والجغرافيا والإخوان المسلمين أيضاً، وذلك بعد أن يبعد السيسي عن حاشيته كل هؤلاء الثعالب والملاعين الذين أفسدوا حدائق العنب.

0 تعليق