ميركل آخر الأوروبيين الكبار

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ
تهبّ الريح الألمانية، وحتى الأوروبية، بعكس ما تشتهي المستشارة أنجيلا ميركل، والتي باتت، في الآونة الأخيرة، غير قادرةً على قيادة السفينة بالعزيمة نفسها التي سارت فيها طوال كل هذه السنوات من حكمها الذي بدأ عام 2005، والسبب في تراجع قوتها ما تلقاه من معارضةٍ داخليةٍ متزايدة، فهي بالكاد استطاعت، في مارس/ آذار الماضي، تشكيل حكومةٍ ائتلافيةٍ بعد مفاوضاتٍ شاقةٍ استمرت أكثر من خمسة أشهر، إثر الانتخابات التشريعية التي جرت في سبتمبر/ أيلول 2017، وكانت نتيجتها تراجع رصيد معسكرها، وبالتالي ضعف مقدرتها على التحكّم بالدفّة، كما كان عليه الحال في المرات السابقة التي كانت تفوز فيها من دون عقباتٍ فعلية.
وبدا واضحا، في أزمة تشكيل الحكومة، أن الضغوط على ميركل جاءت من داخل معسكرها اليميني، وخصوصا من الحزب المسيحي الاجتماعي الحاكم في ولاية بافاريا، والذي يوصف بالشقيق الأصغر لحزب المستشارة، المسيحي الديمقراطي، وتنازلت ميركل لزعيم الحزب المسيحي الاجتماعي، هورست زيهوفر، وأسندت له وزارة الداخلية، الأمر الذي اعتبرته الأوساط الأوروبية نقل اليمين المتطرّف إلى المجال العام، لكن الخطر الأساسي جاء من حلول حزب "البديل من أجل ألمانيا" في المرتبة الثالثة في الانتخابات التشريعية، بحصوله على نسبة 13% من أعضاء البوندستاغ (البرلمان) بواقع 89 نائبا، وتعهّد الحزب فور صدور النتائج، بـ"تغيير هذا البلد". وقال ألكسندر غولاند الذي شارك في تزعّم قائمة الحزب: "سنطارد السيدة ميركل. سنستعيد بلادنا".
واجهت ميركل، في الأيام الأخيرة، أزمة جديدة، أدّت إلى إعلان عزمها التخلي عن رئاسة الحزب، ولن تترشّح في مؤتمر الحزب الذي ينعقد الشهر المقبل، وقرّرت الانسحاب من الحياة السياسية عندما تكمل ولايتها الحالية في عام 2021. وجاء إعلان ميركل في أعقاب ثاني انتكاسة انتخابية لائتلافها المحافظ خلال عدة أسابيع. وخلال الانتخابات التي شهدتها ولاية هيسن، الأحد الماضي، تصدَّر حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي النتائج، لكنه خسر 11 نقطة مئوية من الدعم، مقارنة بآخر انتخابات أجريت عام 2013.
دفعت ميركل ضريبة الاعتدال الذي تمسّكت به في سياستها على المستويين، الداخلي والأوروبي، والذي تجلى في موقفها من قضية الهجرة التي تحوّلت إلى ورقةٍ رابحةٍ يلعبها اليمين المتطرّف عبر العالم، ويستعيض بها للتغطية على عجزه عن تقديم برامج انتخابيةٍ قادرةٍ على إقناع الناخبين بأفكاره العنصرية التي بدأت تلقى تجاوبا في العقدين الأخيرين، إلى حد أن اليمين المتطرّف صار يلعب داخل ملاعب اليمين التقليدي، والذي يتّسم بالاعتدال والنظرة الاجتماعية المتوازنة التي تتفهم ظروف الهجرة، وتعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها. وهذا ما حاولت أن تقوم به المستشارة ميركل، حين فتحت حدود ألمانيا في نهاية عام 2015، وسمحت لمئات آلاف المهاجرين بدخول ألمانيا، وجلهم من السوريين، الأمر الذي فتح المجال لاستنفار اليمين المتطرّف في ألمانيا وأوروبا ضدها، وخصوصا في إيطاليا التي بات يحكمها حزبٌ عنصري.
حين ترحل أنجيلا ميركل عن ساحة العمل السياسي في ألمانيا وأوروبا، سوف يعني ذلك خسارة آخر رمز أوروبي من الجيل القديم، من اليمين التقليدي، حامل رسالةٍ اجتماعيةٍ قائمةٍ على التفاهم والحوار وضرورة العمل على مساعدة الشعوب التي تعاني من مشكلاتٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ على مستوى العالم، وهذا النمط من السياسيين الأوروبيين هو الذي عاش في ظل بناة أوروبا الكبار الذي استوعبوا دروس الحرب العالمية الثانية، واتجهوا إلى العمل الموحّد بدل النزاعات والحروب، وشكلت فيه ألمانيا وفرنسا رأس القاطرة التي قادت الاتحاد الأوروبي.
سيترك رحيل ميركل فراغا في أوروبا، لن يستطيع أحد من الزعماء الأوروبيين الحاليين ملأه، خصوصا أن فرنسا يحكمها رئيسٌ ضعيفٌ يفتقر لرؤية تاريخية تتجاوز الحسابات الضيقة لرجال المصارف وأصحاب رؤوس الأموال الذين يمثّل مصالحهم.

0 تعليق