عن انتزاع البلاد من الروح

العربى الجديد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

لقد انتزعوا عراقيتنا! قالها صديق لي بعد دخوله مباشرة على خط الكأس الرابعة من مشروب "الويسكي" الذي يحبه، وهو في الحقيقة نوع رديء، فالمشروبات الروحية في بلادنا مغشوشة، إذ إنها قوية وتُسقط الرجال الأشداء بسرعة، وتلعب برأس الشارب بطريقة عنفوانية، هذا في الليل، ولكن في الصباح تتغير الأمور إذ يستغرب من جحوظ العينين واصفرار الوجه، وكأنه خرج بسلامة من كمين لتنظيم "داعش". خمرتنا كالأحزاب الإسلامية في العراق، تُسرّ الناظرين من الخارج، أما داخلها فوسخ كثير.

قالها، وفي عينيه قلق، وبرغم أنه لم ينهِ الثلاثين من عمره، لكن ملامحه في تلك اللحظة، أشعرتني بأنه تجاوز الخمسين عاماً: لقد انتزعوا عراقيتنا. ومع إنني فهمته وقصده، لكني أردته أن يتحدث أكثر ويفضفض، قلت: كيف، لم أفهم ما تقصد؟ قال: سرقوا المال والعيال وسيطروا على النهرين، والمناطق الخضراء، والأحصنة والأسيجة والآثار والعمران، والمساجد والمعابد، والدين ورجاله، والفن ورجاله، والحب ورجاله، وتمكنوا مني وانتزعوا عراقيتي، فما عدت أشعر بالعراق في جسدي.. كنت قبل اليوم، أحزن للأم الحزينة، وأفكر بالولد اليتيم، وأخسر لخسارة الأب الذي أمضى حياته في البلاد دون عبور الحدود لرؤية ما خلف المرايا، وأرقص على صوت الدفوف في زفة الصديق، وأبكي على الصوت الصادر من المقصّ خلال مرور على جديلة بنت من ريف الجنوب. قبل الآن، كنت أهرول مع الأطفال الفرحين بالعيد، وتلاميذ المدارس بعد نهاية الدوام، وأموت مع الضحايا في الانفجارات، وأنزف مع جرحى "العبوات الناسفة"، وأنني الرأس المفقودة من الجثة المعذبة المتروكة على شارع في أطراف المدينة.

لقد تمكنوا مني، وانتزعوا شعوري بالعراق، صرت أحس بأن البلاد هي بلاد فقط، وليست بلادي، ألا يعد هذا أمراً طبيعياً بعد كل الخراب، 15 عاماً، نصف عمري انتهى، وأنا أقلب نفس الأوراق من الكتاب ذاته في المكان ذاته، أم أنني سكرت؟ واستعد لإعداد كأسه الخامسة، شربها، ثم تركته.


لقد انتزعوا عراقيتنا! قالها صديق لي بعد دخوله مباشرة على خط الكأس الرابعة من مشروب "الويسكي" الذي يحبه، وهو في الحقيقة نوع رديء، فالمشروبات الروحية في بلادنا مغشوشة، إذ إنها قوية وتُسقط الرجال الأشداء بسرعة، وتلعب برأس الشارب بطريقة عنفوانية، هذا في الليل، ولكن في الصباح تتغير الأمور إذ يستغرب من جحوظ العينين واصفرار الوجه، وكأنه خرج بسلامة من كمين لتنظيم "داعش". خمرتنا كالأحزاب الإسلامية في العراق، تُسرّ الناظرين من الخارج، أما داخلها فوسخ كثير.

قالها، وفي عينيه قلق، وبرغم أنه لم ينهِ الثلاثين من عمره، لكن ملامحه في تلك اللحظة، أشعرتني بأنه تجاوز الخمسين عاماً: لقد انتزعوا عراقيتنا. ومع إنني فهمته وقصده، لكني أردته أن يتحدث أكثر ويفضفض، قلت: كيف، لم أفهم ما تقصد؟ قال: سرقوا المال والعيال وسيطروا على النهرين، والمناطق الخضراء، والأحصنة والأسيجة والآثار والعمران، والمساجد والمعابد، والدين ورجاله، والفن ورجاله، والحب ورجاله، وتمكنوا مني وانتزعوا عراقيتي، فما عدت أشعر بالعراق في جسدي.. كنت قبل اليوم، أحزن للأم الحزينة، وأفكر بالولد اليتيم، وأخسر لخسارة الأب الذي أمضى حياته في البلاد دون عبور الحدود لرؤية ما خلف المرايا، وأرقص على صوت الدفوف في زفة الصديق، وأبكي على الصوت الصادر من المقصّ خلال مرور على جديلة بنت من ريف الجنوب. قبل الآن، كنت أهرول مع الأطفال الفرحين بالعيد، وتلاميذ المدارس بعد نهاية الدوام، وأموت مع الضحايا في الانفجارات، وأنزف مع جرحى "العبوات الناسفة"، وأنني الرأس المفقودة من الجثة المعذبة المتروكة على شارع في أطراف المدينة.

لقد تمكنوا مني، وانتزعوا شعوري بالعراق، صرت أحس بأن البلاد هي بلاد فقط، وليست بلادي، ألا يعد هذا أمراً طبيعياً بعد كل الخراب، 15 عاماً، نصف عمري انتهى، وأنا أقلب نفس الأوراق من الكتاب ذاته في المكان ذاته، أم أنني سكرت؟ واستعد لإعداد كأسه الخامسة، شربها، ثم تركته.

أخبار ذات صلة

0 تعليق