الوزير كامل.. اذهب إلى البحيرة!

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

١- كفاءة كامل الوزير ليست محل نقاش، فهو المهندس ذو البصيرة، كل مشروع أسند إليه هو معركة يعد لها الرجال والعتاد والسلاح، ثم يحدد ساعة صفر ويدخل المعركة، ولأن كامل الوزير ابن بلد كما شعرت عبر جلسة معه أو أكثر فهو يصغى جيداً وأذناه فى المكان الطبيعى لرجل شاءت سيناريوهات إلهية أن يعمل فى قطاع مدنى هو وزارة النقل، ويخطئ من يختزل وزارة النقل فى مرفق السكة الحديد وإن كان من أهم البنود فى دوسيه النقل.

ويملك الوزير كامل أهم صفات القيادة وهى ديمقراطية القرار، فالرجل- كما شاهدت- يسمع الآراء ثم يتخذ القرار. ولعله فى القطاع الهندسى للقوات المسلحة أعطى الكثير ونفذ تكليفات القائد له فى الموعد المقرر. وفى الجيش واحد+ واحد يساوى اتنين. والقطاع المدنى- وأقولها بصراحة صادمة- ليس بهذه الدقة. فتقدير الموقف باللغة العسكرية هو نقل الصورة بضلالها وتفاصيلها مهما كانت معوقة للطريق وعندما تسلم الوزير كامل مهمة النقل، كان رئيس البلاد قد راهن على شخصية هندسية قادرة على إعادة بناء هذا المرفق المتهالك فهو الأقدم فى مصر بين سكك حديد العالم وحادث رصيف نمرة ٦ هو بكل المقاييس حادث مأساوى مازال غامضاً فى نظرى كمواطن عادى قرأ وسمع. جاء الوزير كامل لمرفق النقل المدنى بهدف السلامة المطلب الأول حتى العشرين. صحيح أن دوسيه السكة الحديد سيأخذ من وقته وجهده الأكثر مساحة وهو بالمناسبة يستحق أن ينتقى له رجل المهمات الصعبة.

٢- وإذا كان الوزير كامل قد بدأ المشوار بتسلم المرفق من المهندس هشام عرفات بجلسة مهمة بين الرجلين، فهو تقليد غاية فى الاحترام، يحسب لكامل الوزير.

بيد أنى أتحفظ على تصريح الوزير كامل الذى قال فيه أعطونى مهلة شهرين. كان الوزير كامل متفائلاً أكثر من الحد المسموح به فى التفاؤل. ولكنه أراد أن يطمئن الرأى العام وأنا- بكل تواضع- أرى عدم الانشغال بالرأى العام رغم تواجده فى المعادلة ولكن من خلال معايشة لعدد من وزراء النقل فى مصر أدرك أن السكة الحديد تحتاج نظرية «انسف حمامك القديم»!

المرفق متهالك بفعل السنين وكان كل مسؤول يتولاه يرمم جزءاً ويظل العلاج بعيد المنال. ولنكن صرحاء، فإن علاج المرفق- على حد تعبير أحد وزراء النقل- هو «قص ولزق»!

٣- هنا أسوق للوزير كامل المقولة الهندية: الوزير عند البحيرة! وعندما استفسرت عن المعنى العميق فى المقولة قيل لى إنها تنصح المسؤول بأن ينقل مكتبه إلى البحيرة وهذا معنى مجازى بأسلوب اللغة ولكنه يفصح عن أهمية الدراسة المتأنية فى هدوء لا يشوبه أى صخب. دراسة تصل إلى الجذور وليس إلى السطح، فقد ثبت أن دراسة السطح هى «تضميد جروح الهيئة» وأحياناً اعتمادات إضافية وبضعة تصريحات ترضى جوع الرأى العام.

من المهم للوزير كامل أن يذهب إلى البحيرة ليرى من بعيد الصورة: البشر، الآليات، المرتبات، المكيفات! نعم لابد للوزير كامل ألا ينشغل بإرضاء الرأى العام ولا أخفى أنى وقعت فى نفس الفخ، حين فكرت فى إجراء حوار مع الرجل، وعدت نفسى: هل بدأ، وهل أضحك على الرأى العام بالأمانى وكلام أغانى؟ وأرجأت فكرة الحوار حتى يرى الوزير كامل المشهد الحقيقى لسكك حديد مصر.. من أول القضبان الحديدية التى طالها الصدأ إلى السيمافورات القابعة فى أكشاك على طول الطرق إلى المزلقانات التى لاتزال تنذر بالموت إلى عالم آخر اسمه الغاطس حيث تعد رحلات القطارات قبل انطلاقها.

وأظن أنه من المهم دراسة تتم بهدوء البحيرة لركاب هذا المرفق المهم وأسباب العزوف عنه وأظن أن إعادة النظر فى «الصواميل الصغيرة» غاية فى الأهمية وأقصد الموظفين فى الدرجة الدنيا أصحاب الرواتب الضئيلة وهذه الصواميل الصغيرة تعمل مع الصواميل الكبيرة فى الوابور كما كنا نسميه ونحن أطفال. لقد كان القطار أحد أهم وسائل النقل فى مصر الذى غنى له عبدالوهاب: يا وابور قول لى رايح على فين؟

اليوم يدخل الوزير كامل الغاطس- غير منشغل بالرأى العام- ليعرف أسرار هذا العالم وأسباب الحوادث الدامية.

٤- أعود لأقول إن دعوتى للذهاب للبحيرة هى دعوة لفهم المشهد كله واختيار الأكفأ للإدارة والأكفأ للصيانة. فالقطارات فى أوروبا هى الاختيار رقم واحد قبل الطائرات، لأن القطار هناك أداة نقل حضارية و«آدمية» بل و«متعة». لابد من إحصاءات دقيقة أمام الوزير كامل ليعرف منها «منحنى الرغبة فى استخدام القطار أو العزوف عنه»! إنى أكاد أجزم أن بلاء كوارث القطارات فى مصر سببها «أخطاء بشرية». أتصور أن الوزير كامل سيصل إلى عمق الأخطاء البشرية بحسه المصرى وخبرته مع الآلة، فالخطأ البشرى ليس أعجوبة ولكنه- على حد قول ديستان- أحد رؤساء فرنسا- وارد. قالها عندما سقطت مظلة أسمنتية فى استاد ملعب كرة قدم وتبث أن المظلة بنيت على عجل وبمواد قابلة للاشتعال فالأخطاء واردة ومن المهم الوصول إلى مكمن العقل وهل هو صاحى أم مبرشم!

٥- لقد ظل مرفق السكة الحديد يعالج زمناً طويلاً بالمسكنات وجاء الأوان- بتدبير إلهى- للعلاج الحقيقى على يد «جراح» سوف يبتر الأعضاء الفاسدة حتى لا ينتشر فى جسد الهيئة. إنى أتحفظ على ذهاب الوزير كامل لمحطة مصر وسط زيطة وزمبليطة كما رأيت الصور فى الصحف. مرة أخرى ينشغل الوزير كامل بالرأى العام، فهو يرضى جوعه للتأكد من سلامة السفر عبر القطارات. ولأكون منصفاً، أنا لا ألوم الرجل فهكذا ثقافتنا التى تربينا عليها «المسؤول فى أماكن الكارثة».

لتكن هذه خطوة ولكن يجدر بالوزير كامل الذهاب إلى البحيرة ليرى دقائق الصورة أكثر وضوحاً وليرى عمل الصواميل الصغيرة دون إبطاء. وليتأكد مما تحتاج الأولويات فى المطالب من الدولة، فهناك أولويات تحتاجها الهيئة وربما كانت تؤجل وهذه المرة، لن تؤجل أولوية هى ضمان للسلامة المهددة فى المرفق الحيوى.

٦- وإذا كانت القيادة السياسية قد اختارت رجلاً من أفضل رجال مصر فى العطاء هو كامل الوزير لـ«نسف الحمام القديم» فإن مهمته وسط قطاع مدنى، لن تكون سهلة، قطاع مدنى له عادات وطقوس وعيوب، لكن الوزير كامل- ابن البلد- قادر على التعامل معه. وللأمانة فى السرد، فلن يضطر الوزير كامل إلى «عسكرة» المرفق، لكنه سينتقى أفضل العناصر للمهمة ولابد للوزير كامل وقد نقل مكتبه إلى البحيرة من إعلاء نظرية «سيف المعز وذهبه»، السيف للمقصر، والذهب للكفء.

٧- إن تطوير وتحديث مرفق السكة الحديد، مطلب قومى يتمثل فى تطوير الإشارات وتجديد المزلقانات ووسائل التحكم المركزى والتزامات الصيانة فى الورش. أمام الوزير كامل هذه الأرقام: ٩ آلاف و٧٥٠ كيلو، ملعب سكة حديد مصر، ثانى سكة حديد بعد إنجلترا و٧٠٥ محطات ركاب و١٣٣٠ مزلقاناً و١٠ آلاف عربة بضائع و٣٥٠٠ عربة ركاب و٨٠٠ جرار و٩٢٠ رحلة يومية لقطارات مصر و٤ ملايين طن بضائع و٣٠٠ مليون راكب سنوياً حوالى مليون راكب يومياً. و٨٨٥ نفقاً و١٣٧ «كوبرى علوى» للمشاة و٣٤٢ قاطرة ألمانى و٤٥ قاطرة كندى و٨٥٠ عربة مكيفة وسرعة قطارات مصر تتراوح بين ٩٠ و١٢٠ كيلومترا وتم تخصيص ٥٦ مليار جنيه لتطوير المرفق حتى ٢٠٢٠ وتم شراء ١٠٠ جرار وعملية إحلال وتجديد ١٣٠٠ عربة ركاب بمبلغ ١٨ مليارا وفى فرنسا عام ٢٠١٣ خرج القطار الذى يربط العاصمة باريس بالضواحى وأسفر عن وفاة ٧ ومصابين، وفى سيريلانكا عام ٢٠٠٤ قتل أكثر من ١٧٠٠ شخص حينما أدت رياح شديدة بسرعة مخيفة إلى انقلاب القطار من فوق القضبان!

٨- يتبقى فى المقال:

١- هناك خطة عاجلة. ٢- خطة طويلة الأمد. ٣- عين الوزير على الرأى العام بشرط عدم الإسراف فى التفاؤل. ٤- الاهتمام غير المنقوص بالصواميل الصغيرة أصل المشكلة فى جذورها. ٥- دراسة ميدانية لشريحة ركاب القطارات. ٦- عدم عسكرة المرفق حتى تقتضى الضرورة القصوى. ٧- الوزير كامل ليس ساحراً، إنه بشر يدخل معركة بجسارة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق