مباهج شتاء العُمر

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مباهج شتاء العُمر, اليوم السبت 1 يونيو 2019 01:19 صباحاً

اشترك لتصلك أهم الأخبار

إذا كانت حياة الإنسان أشبه بفصول السنة، حيث رُبعها الأول هو مرحلة الطفولة والصبا، ورُبعها الثانى هو مرحلة الشباب، ورُبعها الثالث هو مرحلة النُضج والعطاء، فإن ربعها الأخير هو النهاية، أو شتاء العُمر، حيث تذبل الصحة وتتباطأ حركة الحياة، ويستعد البشر لحُسن الختام.

ولكل مرحلة خصائصها الإيجابية والسلبية، مباهجها وأفراحها وأتراحها. وإذا كان الحُب والعواطف الجيّاشة من خصائص الرُبع الثانى، فلأنه يتزامن عادة مع التأهل للزواج والإنجاب، وتكوين الأسرة، وتربية الأبناء، وربما رؤية هؤلاء الأبناء يكبرون، ويُتِمّون تعليمهم، ويتزوجون ويُنجبون أحفادًا وحفيدات، وهكذا تستمر دورة الحياة، جيلاً بعد جيل.

والشاهد هو أن متوسط الأعمار للإنسان المُعاصر هو في زيادة مستمرة، نتيجة التحسن في الصحة والتعليم في كل بُلدان العالم، ومنها مصر. ومازلت أذكر رقم 33 سنة الذي كان متوسط عُمر المصريين، منذ خمسين سنة. ولكن طبقًا لمعلومات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، فإن ذلك المتوسط قد تضاعف، وتجاوز الستين عامًا في الوقت الحاضر 2019.

إن مناسبة هذا الحديث هو فرحتى الطاغية، وأنا وزوجتى نُشارك ابنتى، المحامية راندا، وزوجها المهندس نبيل إبراهيم، حفل تخرج حفيدتنا لارا نبيل، في جامعة كلارك الأمريكية Clark University، يوم الأحد 19 مايو 2019، وشاركنا في نفس المناسبة عشرون من الأقارب والأصدقاء، الذين أتوا من كل أرجاء الدُنيا.

استمر حفل التخرج ثلاث ساعات، في حرم الجامعة، من الثانية عشرة ظهرًا إلى الثالثة مساءً، وسط جو ربيعى مُشمس، تصدح فيه الموسيقات الكلاسيكية والمُعاصرة، وطابور الخريجين والخريجات، بأروابهم المميزة لجامعة كلارك، بلونيها الأسود والبنفسجى.

ورغم أننى تجاوزت الثمانين، وشهدت خلال ذلك العُمر المديد لحظات بهجة عديدة، ومنها لحظة تسلمى شهادة الليسانس الممتازة، من الرئيس الخالد جمال عبدالناصر، عام 1960، في قاعة الاحتفالات الكُبرى تحت القُبة الشهيرة لجامعة القاهرة، ولم أتصور أننى سأشهد في حياتى المُقبلة بهجة تُضارع بهجة ذلك المساء، قبل تسعة وخمسين عامًا، فإن لحظة تخرج حفيدتى كان لها مذاق خاص جدًا، ووقع مختلف تمامًا، فقد غلبنى الانفعال وتدفقت دموع فرحة، لا أتذكر مثيلًا لها، يوم تخرجى، ولا يوم زواجى، ولا يوم إنجاب ابنتى راندا، ولا ابنى أمير، ولا حتى لحظة تسلمى شهادة الدكتوراه من جامعة واشنطن عام 1968.

وخلال رحلة العودة الطويلة من بوسطن إلى القاهرة، لم أتوقف عن التأمل والتحليل لذلك الانفعال والبُكاء لحظة تقدم حفيدتى لارا على المسرح الكبير لتسلم شهادة تخرجها من رئيس الجامعة.

كان ثمة شريط الذكريات المتدفقة، تذكرت والدتى الراحلة جوهرة السيد عبدالله، تلك الفلاحة المصرية، التي لم تتعلم، ولكنها أصرت على تعليم أبنائها الأربعة وبناتها الثلاث، وعاشت لتُربى بعض أحفادها وحفيداتها من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات. وربما كنت أتمنى لو تقدم بها العُمر، لترى كبرى حفيداتها الجامعيات من الجيل الرابع.

وربما كان الانفعال والبُكاء للإحساس بأننى ربما لن يمتد بى العُمر لأرى بقية أحفادى الأربعة يتخرجون في جامعاتهم، أسوة بالحفيدة البكرية لارا نبيل، فأصغر هؤلاء الأحفاد، جبريل أمير، مازال في الثامنة من عُمره، ولا يُتوقع تخرجه قبل عام 2030. صحيح أن الأعمار بيد الله سُبحانه وتعالى، ولكن الجداول الإحصائية التكرارية تُشير إلى أن احتمالات البقاء على قيد الحياة إلى ما بعد التسعين ضئيلة للغاية.

كانت صورة والدتى، التي رحلت عن دُنيانا عام 1984، هي التي زاحمت صورة الحفيدة، عام 2019. تذكرت وأنا في السادسة من العُمر، مشهد توسلات والدتى لوالدى وأخى الأكبر بأن يسمحا لشقيقتىَّ روحية وشفيقة بأن يستكملا تعليمهما، بعد المرحلة الإلزامية، في مدارس المنصورة، التي كانت على مسافة عشرين كيلومترًا من قريتنا، بدّين. وكانت حجة الوالد والشقيق الأكبر هي الحرص على سلامة وعفة الشقيقتين!.

ولذلك كانت إحدى وصايا والدتى لى، بعد أن رأتنى في نهاية عُمرها، أستاذًا جامعيًا، أن أعمل على بناء مدرسة ثانوية لبنات قريتنا. وهو ما شرعت في تنفيذه بعد ثلاثين سنة من رحيلها. وأخبرنى الوزير المسؤول عن التربية في حينه، وهو الراحل د. حسين كامل بهاء الدين، بأن مشكلة الوزارة هي إيجاد أراضى بناء في قُرى الدلتا لبناء مثل تلك المدارس!.

وحين وجدت أننى مازلت أملك فدانًا من إرث عائلى، سارعت بالتبرع به لهيئة الأبنية التعليمية لبناء مدرسة ثانوية في قريتنا. وشكرنى الوزير حسين كامل، وكان ذلك قبل عشرة أعوام. وقد توالى على «التربية والتعليم» خمسة وزراء على الأقل منذ د. حسين كامل. ولم تُبْنَ المدرسة الثانوية، التي كانت حلم وتوصية والدتى الراحلة، وكانت ولا تزال أمنية ورجاء بنات قريتى.

وقد أخبرت الوزير المُبدع د. طارق شوقى بمُعاناة بنات قريتى، الطموحات لإكمال تعليمهن. وللأمانة أبدى الوزير تفهمه وتعاطفه، ووعد، منذ يناير 2019، بأن تقوم هيئة الأبنية التعليمية بإتمام بناء المدرسة الثانوية.

وعلى الله قصد السبيل

هذا المقال "مباهج شتاء العُمر" مقتبس من موقع (المصرى اليوم) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو المصرى اليوم.

أخبار ذات صلة

0 تعليق