فى مديح التغابى!

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
فى مديح التغابى!, اليوم السبت 1 يونيو 2019 01:19 صباحاً

اشترك لتصلك أهم الأخبار

هذه الدنيا.. مباراة شطرنج!

خدعوك يوم قالوا إن أهم «حركات» قطع الشطرنج هي الذكاء، وخدعوك حين قالوا إن الذكاء مفتاح حل ما استعمى عليك، وهذا- في عمومه- خير صحيح. من الممكن أن يكون «التغابى» أفضل من الذكاء! التغابى غير الغباء، التغابى يبنى على ذكاء أما الغباء فهو عتمة العقل وانطفاء المصابيح والحيرة الباحثة عن حيلة!

كان المفكر سلامة موسى يقول لنا «تغابوا.. تفهموا» وقال لى د. أسامة الباز «حافظت طول اشتغالى بالسياسة على فضيلة التغابى فحافظت على مركزى»! وكتب مرة مصطفى أمين: الغباء من الرذائل والتغابى من الفضائل! وقلت مرة في حوار مع الأستاذ هيكل: هل تتغابى للحصول على معلومة؟ قال هيكل: التغابى تكتيك ذكاء! ولا يوجد في علم السياسة مادة صريحة تنصح بالذكاء أوالغباء ولكن هناك «مواقف تفرض عليك اختفاء ذكائك وبروز التغابى والتغافل» كما يقول كينسجر أحد دواهى العصر في السياسة! إن التغابى فلسفة لا تكلفك شيئاً، عليك فقط في الحياة «أن تشترى أكثر مما تبيع» وهى عبارة وردت في رواية لألبيرتو مورافيا الروائى الإيطالى حيث ينصح البطل أن يكون «مستمعاً أكثر ومتحدثا أقل»!

■ يقول أولاد البلد في حواراتهم اليومية «خد منه على قد ما تقدر، واعمل عبيط» وفى موضع آخر يقولون «ماتعملش فكيك»! إنها الدعوة للتغابى بأسلوب حياة ولكنه نفس المسار أي التغابى أسلوب حياة، وفى نهاية خمسينيات القرن الماضى كانت أمينة السعيد في بابها الشهير في المصور تنصح الزوجات «صدَّرى له التغابى لتفهمى» وتقول لزوجة أخرى «اللؤم يواجه بلؤم أكثر» وتقول لها «اعملى نفسك مش فاهمة يعنى استغبى»! إنها دعوة للتغابى في فلسفة استمرار المؤسسة الزوجية والحفاظ عليها! وفى حوار روائى لإحسان عبدالقدوس تقول البطلة «تغابيت وتغافلت، ففهمت كل شىء دون عناء»!

التغابى كأسلوب ومنهج حياة يحافظ «على حالتك المزاجية» ويجنبك «اللف والدوران» ويحميك من «صداع البحث بمشقة». التغابى درس في الفلسفة فرضته حياتنا وطريقة للهروب من الجدل العقيم، نعم لم يعد الذكاء نعمة على طول المدى، فالحياة المعقدة فرضت أن تتغابى وليس أن نكون أغبياء، فرضت علينا ألا نجهر بالذكاء ونجيب الديب من ديله»، وفى السويد مثل سويدى شهير «التغابى يحقق لك الذكاء الأسرع» ومغزاه أن التغابى يحقق لك في الحياة أسرع من الذكاء، لأنه- التغابى وليس الغباء- هو الذكاء الأسرع لفض اشتباك قضية!

■ التغابى من «مهارات الكلام والحوار» والتغابى هو تطويع الذكاء لحالة جهل بالموضوع من أجل معرفة أكثر وإلمام أكثر! يقول أحد علماء النفس الإنجليز «التغابى أو التجاهل دلالة واضحة على الذكاء العالى لدى الشخص وكأنه يقول أعلم كل شىء ولكنى لن أسمح لأى شىء يعكر مزاجى» وهناك حكمة تقول «على هذا الكوكب يجب أن تستعمل كل ذكائك لتعيش وكل غبائك لتتعايش» ويقول الشاعر منصور الضبعان «غض البصر واضرب دروب التغابى» وفى كتب التراث يقال «لابد من التجاهل أحياناً، وقد قال العرب قديماً سيد قومه المتغابى، ليس بالضرورة أن تقف على كل كلمة وليس بالضرورة أن نكون جادين عند كل تصرف»، حقاً إن من أتقن سياسة «التغافل» أراح نفسه وأراح الناس من حوله! فقمة الذكاء أن تتغابى في زمن قد لا يعترف إلا بالأغبياء! والتغابى في كل الأوقات يجعل منك شخصاً غبياً، والتغابى كتكتيك ذكى له توقيته وظروفه، فالتغافل عن الصغائر يجب ألا نعطيه أهمية وقد قال ابن حنبل «تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل»!

■ الزوجة التي تتغابى، أفضل من زوجة «قاعدة ع الواحدة»، الرجل ليس معصوماً من نزوات كالنظر أو الغزل، ففى عينيه «نظر»، والزوجة القاعدة ع الواحدة تعسة لأنها تحسب بالقلم والمسطرة، التغابى يجلب راحة البال وقد يعيد الزوج إلى قواعده، وفى أدب الإسلام تحذير من التدخل في نوايا الناس أو الحكم على سرائرهم!

■ التغابى هو «ميناء الراحة» حينما تتحول الحياة إلى لوغاريتمات غير مفهومة، التغابى منهج سليم في مجتمع تكثر فيه أسئلة بلا إجابات. التغابى وسيلة تعبير عن شغف وفضول معتقلين في زنزانة صدرك، التغابى هو الرد الوحيد على حالة الغموض التي تعترى مجتمعاً، التغابى وليس الغباء يقربك من الحقيقة دون خوف أو تردد. حين تتغابى، ستفهم أكثر لأنك تدرك المثل الصينى الذي يقول «الصمت حديث جيد»، الصمت الذي أعنيه، هو المحرض على البوح والفهم، وفى كل مجتمع أسئلة تثار ودولة قد لا ترد مع أن الرد يصفع سوء الفهم ويبدد العتمة ويستوعب الألم والإشاعة والنكوص. كل مجتمعات العالم السياسية فيها مضحكات ومبكيات والتغابى هو الإجابة الرشيدة على هذا الاعتلال أو الاعتدال بلا خوف. ومديح التغابى هو حراك داخل الشخصية بهدف الفهم وعلى أي أرض تقف ومع من تتحدث عدو أم صديق، فنحن صناديق بشرية مغلقة تحكمنا مشاعرنا ورغباتنا، والتغابى يقلل من توترنا للوصول إلى الحقيقة! إن الحياة تعقدت أكثر منذ طرقت التكنولوجيا أبواب حياتنا، وصار الشك يحكمنا الحاكم والمحكوم وتعددت وسائل الأمن وتطورت حتى صار موبايلك جاسوساً عليك أو شاهد إثبات ويسجنك!

■ في مديح التغابى تحريض على إخفاء ذكائك مؤقتاً حتى تفهم وتتيقن وإجابات لأسئلة تحيرك وتطرد النوم من عينيك وتأمل للصورة بأبعادها تبصرها بذهنك وإدراك يرشد للمطموس عنك، إنه لحظة التقاط أنفاس تدرك الصعب وتفهم اللغز وتقترب من سور حديقة الحقائق!

هذا المقال "فى مديح التغابى!" مقتبس من موقع (المصرى اليوم) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو المصرى اليوم.

أخبار ذات صلة

0 تعليق