صراع عالمي مكتوم .. الدولار يتجلى والذهب يهتز

الاقتصادية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

في عصر العولمة يشهد الاقتصاد الدولي عديدا من الصراعات والمنافسات، ليس بالضرورة أن تكون جميعها عنيفة أو كارثية، أو أن تسلط عليها وسائل الإعلام كثيرا من الضوء لسبر أغوارها، لكنها مع ذلك تظل صراعات أو منافسات مهمة ومؤثرة في مصالح ملايين وربما مليارات من البشر.
الصراع الدائر بين الذهب والدولار الأمريكي أحد تلك الصراعات أو الحروب أو المنافسات التي تجري يوميا، لكنه صراع مكتوم من غير ضجيج في كثير من الأحيان.
بالطبع لا يلتزم الطرفان الصمت دائما في منافستهما بعضهما البعض، فحينما يفلح أحد المتنافسين في توجيه ضربة قاضية إلى خصمه خلال إحدى جولات الصراع، فإن الأضواء سريعا ما تسلط عليه في انتظار معرفة التداعيات الناجمة عن تلك الضربة القاضية، والأهم في انتظار نتيجة الجولة المقبلة.
وتبدو الجولة الراهنة من الصراع في مصلحة الدولار حتى الآن على الأقل، فأسعار المعدن النفيس ليست في أفضل أحوالها، وفي هذا السياق استطلعت "الاقتصادية" آراء مجموعة من المختصين حول أسباب هذا الوضع، وإلى أي مدى سيستمر، وما تداعياته على الاقتصاد العالمي، وذلك للتعرف على المشهد الاقتصادي الدولي الراهن والمقبل عندما يتعلق الأمر بالذهب والدولار.
جيمس لي المختص الاستثماري لمجموعة من صناديق التحوط البريطانية، يعتبر أن الدولار سيصبح في الفترة الراهنة والنصف الأول من العام المقبل في وضعية أفضل من الذهب.
ويضيف قائلا، "إن الهزات التي حدثت في عديد من عملات الاقتصادات الناشئة أدت إلى انخفاض أسعار الذهب إلى أدنى مستوى لها في 20 شهرا، وخلال النصف الأول من شهر آب (أغسطس) ووفقا لتقديرات مجلس الذهب العالمي فقد فقدت أسعار الذهب 3 في المائة من قيمتها، وتراجع مستوى الأونصة إلى أقل من 1200 دولار، وذلك لأول مرة منذ أوائل عام 2017، فقوة الدولار الأمريكي في مواجهة عملات الاقتصاديات الناشئة واليوان الصيني وحتى العملات المنافسة له مثل اليورو والين والاسترليني والفرنك السويسري، كانت واحدة من أهم محركات أداء الذهب منذ بداية العام، فالحرب التجارية التي يشنها الرئيس الأمريكي على خصومه، صبت حتى الآن في مصلحة الولايات المتحدة، وإذا توصل الجانبان الأمريكي والكندي إلى اتفاق تجاري فسيزداد الدولار قوة وسيتراجع سعر الذهب".
ويضيف جيمس لي "أن قيام البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان بتأجيل رفع أسعار الفائدة منح الدولار مزيدا من القوة، في مواجهة الملاذات الآمنة الأخرى وفي مقدمتها الذهب".
ويتجلى تقدم الدولار على الذهب في الوقت الراهن في تراجع الطلب العالمي على المعدن النفيس في الربع الثاني من العام الجاري، إذ هبط الطلب على الذهب بنحو 4 في المائة، على الرغم من زيادة الإنتاج العالمي من المعدن الأصفر بنحو 3 في المائة، ليصل إلى 836 طنا، وتعود الزيادة إلى التحسن في إنتاج روسيا وإندونيسيا وكندا.
جيمس آندي نائب الرئيس التنفيذي لاتحاد السبائك، يرى أن الدولار يؤثر بلا شك في توجيه أسعار الذهب، لكنه لا يعد العامل الوحيد المؤثر من وجهة نظره.
ويضيف "أسعار الذهب في تقديري ستواصل التراجع لبعض الوقت، والتقديرات التي تشير إلى أن ذلك سيتغير في النصف الثاني من العام المقبل، توقعات مفرطة في تفاؤلها، ولا أريد أن أكون على النقيض عبر الإفراط في التشاؤم بالقول إن أسعار الذهب دخلت مرحلة من الخمول إذا جاز التعبير".
ويستدرك قائلا "أسعار الفائدة الراهنة والأكثر أهمية المستقبلية تلعب الدور الرئيسي في الوضع السلبي للذهب حاليا. فالذهب لا يحقق أرباحا إلا عند بيعه بسعر أعلى من سعر الشراء، ولهذا عندما ترتفع أسعار الفائدة ينخفض سعر الذهب، فالأصول الأخرى تحظى بمزيد من الطلب بسبب مكون سعر الفائدة الخاص بها، وعلى الرغم من معارضة الرئيس ترمب لرفع أسعار الفائدة، إلا أن التحسن الحالي في مستوى أداء الاقتصاد الأمريكي يجعل جل توقعات المستثمرين تسير في اتجاه أن رفع أسعار الفائدة مسألة وقت، وهذا يجعل الطلب على الدولار أعلى، خاصة مع تحول جزء من المضاربين على المعدن النفيس إلى الدولار على أمل تحقيق أرباح مستقبلية".
ويعتقد بعض المختصين أن تراجع الذهب في الوقت الحالي يعود لأسباب أخرى غير اقتصادية تتعلق بالسياسة الدولية أكثر منها بالمشهد الاقتصادي".
الدكتورة كيتي روبنسون أستاذة الاقتصاد الدولي تعتقد أن "تصوير الذهب على أنه سلعة تتأثر قيمتها بعوامل اقتصادية فقط، يقلص كثيرا من القيم المرتبطة بالمعدن الأصفر، فالذهب بالنسبة لكثيرين ملاذ آمن في أوقات الأزمات العنيفة، ويبدو الآن أن الاتجاه العام في الأسواق على قناعة بأن الاحتكاكات الراهنة في الساحة الدولية على الصعيدين السياسي والاقتصادي لن تتطور إلى احتكاكات عنيفة، خاصة بعد اللقاء الذي تم بين الرئيس الأمريكي ونظيره في كوريا الشمالية، ولهذا فقد الذهب بريقه التقليدي كملاذ آمن، وبات الاتجاه العام هو البحث عن قنوات استثمارية تحقق أرباحا آنية، وهو ما يعني زيادة الطلب على الدولار".
بطبيعة الحال لا يمكن القول "إن وجهات النظر تلك تلقى إجماعا بين المختصين، إذ يرى بعضهم أن الانخفاض الراهن في أسعار المعدن النفيس، هو العامل الأساسي الذي سيدفع إلى زيادة الطلب عليه".
روبرت براين المحلل المالي في بورصة لندن، يعتقد أن أسعار أونصة الذهب، التي بلغت 1209 دولارات للأونصة ستمثل جاذبية ضخمة للمستثمرين.
ويشير براين إلى أن "انخفاض أسعار أي سلعة يمثل عنصرا جذابا للشراء، والانخفاض الراهن في أسعار المعدن الأصفر، يؤدي حتما بالمستهلكين التقليديين والمستثمرين الراغبين في الاستثمار طويل الأجل في الذهب، إلى تقديم الدعم للمعدن الأصفر عبر الشراء، فتاريخيا انخفاض أسعار الذهب يشجع على شراء الحلي، وحتى الآن نجد أن الطلب الصيني جيد، وهناك تحسن ملموس في الطلب الهندي، وعلى الرغم من أن الأمطار الموسمية أدت إلى كوارث طبيعية في الهند، إلا أن المؤشرات توحي حتى الآن بأن الطلب الهندي على الذهب سيكون جيدا هذا العام".
ويضيف براين أن "هذا لا يعي أن الذهب سيفلح في توجيه ضربات قوية للدولار، فالاتجاه العام يصب في مصلحة العملة الأمريكية، لكن خلال الربع الثالث والأخير من هذا العام سنشهد تحسنا نسبيا في سعر أونصة الذهب في مواجهة الدولار".

0 تعليق