الارشيف / أخبار عالمية

مشهد آخر لموت الأيديولوجيا

 

فوزي عمار*

* كاتب ليبي

 

 

المتابع للمشهد الإيراني هذه الأيام بعد وصول حصيلة المظاهرات في إيران الأسبوع الماضي إلى مقتل قرابة خمسين شابا وأكثر من مائة ونيف جريح والتي اندلعت بسبب رفع الحكومة لسعر البنزين.. يلاحظ أن الأوضاع هي استمرار لما حدث منذ ديسمبر 2017 حيث اندلعت المظاهرات في أربع مدن إيرانية من بينها طهران آنذاك.. 

 

وهنالك عاملان مهمان وموضوعيان كانا سببا في اندلاع الأحداث الشبيهة بتجربة ما سُمي بأحداث الربيع العربي: 

 

أولا. الجيل الذي يتظاهر في إيران اليوم لا يعرف الثورة الإسلامية ولا خميني ولم يعش زمنها..

بل ولا يرى في الغرب عدوا أصلا.. هو جيل يعيش بؤسا وعوزا وتأثيرا سلبيا من حالة العولمة التي تجسدت في اختراق الحدود من خلال النيوميديا (فضائيات، سوشيال ميديا).

فالاستقلال والسيادة اليوم لم تعد تحمي حدود الدولة الجغرافية عسكريا وأمنيا.. 

بل أصبحت السيادة (من وجهة نظري) مدى قدرتك في التأثير على الآخرين ومدى قدرة الآخرين على التأثير فيك وعليك. لقد أصبحت العولمة تخاطب الجموع مباشرة من خلال جهاز جوال وحاسوب دون المرور على شرطي أو أمني عبر بوابة أو مطار.

فهذا الجيل من جهة له متطلبات أصبحت ملحة.. متطلبات لم تعد كماليات مثل اقتناء الهواتف الذكية؛ الآي فون واي باد وملابس من ماركات معروفة مثل Zara & Boss وأصبح يريد السفر ويرى العالم.. وغيرها الكثير، وكل هذا ليس في متناول معظم الشباب الإيراني اليوم. وهي موجة عالية غير قادر الشاب الإيراني عليها.

العامل الآخر هو الوقوع في فخ البروباغندا الغربية سواء من حيث نشر ثقافة الحلم الغربي والديمقراطية كما فعلت مع دول الربيع العربي وثقافة أخرى أغلبها استهلاكية مسطحة تسوّق للمنتجات الغربية مثلما أسلفت. 

الثورة الإيرانية الأولى التي جاءت بخميني كانت ثورة نظيفة رغم انقلاب الإسلامويين عليها وتحويل إيران إلى دولة ثيوقراطية تقوم على نشر الفقه الشيعي الفارسي تحت شعار تصدير الثورة. لقد أرادت إيران أن تكون مركزا للعالم الإسلامي الشيعي كما ترغب تركيا في أن تكون مركز الإسلام السني.

فهل سينجح الإسلامويون في السيطرة على كراسيهم في ظل شعب وصل مرحلة اللاعودة بعدما انتقلت متطلبات الشارع من تحسين الوضع الاقتصادي إلى إسقاط النظام وإحراق مبنى يضم قبر الخميني، وبعد سقوط القتلي وسيلان الدم؟ وهتافات تتعالى تنادى بالموت لخامئني في شوارع إيران.

وتصريح مرشد الثورة مؤخرًا بأنّه لا تراجع عن قرار رفع سعر البنزين. وكيف سيواجه نظام بدد أمواله على أيديولوجيا وسلاح نووي لم يكتمل   بعد.. فالسياسة معنية بالنتائج وليس النوايا. 

ومن المسلم به أنّ الأيديولوجيا لا تنتج خطابا مضادا لها.. فهي لا تنتقد نفسها من أجل الإصلاح بل تلجأ إلى التقوقع وتخوين من ينتقدها حتى وإن كان نقدا بناءً.

لقد توسع النظام خارج حدوده بحجة تصدير الثورة بدلا من الاهتمام بجودة الحياة وباقي مؤشرات التنمية داخل إيران ولصالح الإيرانيين.  فمن لبنان إلى سوريا والعراق واليمن وكلها على حساب رفاهية المواطن الإيراني وثروته التي حرم منها.

يبقى الأمر مرهونا بالأيام القليلة القادمة في رغبة المتظاهرين بالتصعيد بعد الدعم الإعلامي الأمريكي الواضح. ورغبة أمريكا في حصار إيران من خلال مقاطعة اقتصادية ترضخ لها أوربا والصين وروسيا. وبدأت تظهر وطأتها على الاقتصاد الإيراني حيت تراجعت القدرة الشرائية لمتوسط دخل الإيراني من 600دولار إلى 200 دولار فقط في ظل تضخم وارتفاع الأسعار جراء الحصار.

كما أن الأمر أيضا يتعلق بالصراع على النظام العالمي الجديد وصراع الأوراسيا مقابل الأطلنطي ومدى قدرة النظام على مقاومة ثورة جياع وإيجاد حلول سريعة بدلا من توجيه تهم العمالة والإجرام لهؤلاء المتظاهرين الشباب...!

عندما أقول موت آخر الأيديولوجيا..طبعا أنا هنا لا أشير لمقولة فوكوياما بانتهاء الأيديولوجيا فهي كانت عبارة عن مقولة أيديولوجية بالأساس، نابعة من انتصار مُردّديها للفكر الذي يتبنونه،

إلا أنّها كانت مقولة محدودة في الزمان، ومتفاعلة مع حدث سقوط جدار برلين، وانتهاء الحرب الباردة، وانخراط الإنسانية في العولمة مُتناسية إحدى أبرز سمات الأيديولوجيا، وهوالديناميكية، ما يجعل حكم نهاية الأيديولوجيا نبوءة حالمة في أحسن الأحوال لا واقعًا حقيقيا.

التغيرات الكبرى للشعوب تقود الدول للأمام والرفاه.. لقد تحققت ثورة الشعب الألماني بإسقاط سور برلين، وتوحيد ألمانيا بل وتوحيد أوربا شرقها وغربها وتأسس الاتحاد الأوربي الذي ضم دول شرق أوربا الفقيرة في كيان واحد مع أوربا الغربية الغنية.. وهذا ما كان ليتأتى لولا إسقاط الألمان لجدار برلين.

تلك كانت ثورة في صمت وتبعها عمل وجهد وعرق بعيدا عن الضجيج وبدون دماء.. وسقط الاتحاد السوفياتي وانهارت الأيديولوجيا الشيوعية وتحققت الوحدة ورفعت دخل الفرد في أوربا الشرقية إلى أكثر من عشرين ضعفا وحققت نموا اقتصاديا كُليا في أوربا الغربية. لقد كان التغيُّر تغيُّرا سريعا للأفضل..

تلك كانت ثورة شبيهة بثورة إيران الأولي قبل أن ينقلب عليها المؤدلجون وتعاني إيران مما نشاهده اليوم بسبب تغول الأيديولوجيا ومشاهد صراعها مع جيل لم يعرف لها أي ميزة أو منفعة!

المصدر
جريدة الرؤية العمانية

قد تقرأ أيضا